مقالات

فلسطين معيار الشرف والضمير

في استفتاءٍ وُجّه إلى العلامة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، في ثلاثينات القرن الماضي، حول العمل الواجب تجاه فلسطين، قال رحمه الله: (قضيةُ العمل منوطةٌ إلى كلّ عربي، بل كلِّ إنسان بمقدار الحدِّ مِنْ غَيْرَته وشعوره، ومبلغ حظّه من الإنسانية؛ فمن كان يجري في عروقه الدمُ الحيُّ الشريف فلا ريبَ إنَّ شرفَ عنصره يَهيبُ به ويدفعه إلى اللحوق بإخوانه في فلسطين.. ولا ينتظر أن تأتيَه فتوى المفتي.. بل فُتُوَّته تسبق الفتوى وتُعرّفه بواجبه، بوحي من ضميره وشرف وجدانه).

والشيخ عزّ الدين القسَّام، الذي حلّت علينا ذكرى استشهاده المبارك في 19 من هذا الشهر، مثالٌ حيٌّ لهذا الوصف الذي قرأناه في الفتوى، ففتوة الشيخ عزّ الدين وضميره وشرف وجدانه دفَعَه ليرتحل من مكان إلى مكان بحثاً عن موطن الواجب، فلم يجد واجبًا أعظم من العمل لفلسطين، فنذرَ لها علمه وفكره ونشاطه حتى قضى شهيدًا على أرضها.

رحل عزّ الدين، لكنَّ عزَّة نفسه بقيتْ ونمَت في تربة فلسطين، التي هي أرض العزّة أصلًا، وهي التي تضرب اليوم أعظم الأمثلة في الشرف والكرامة، لا نستثني من أهلها أحدًا، لا أطفالَها ولا كهولها، ولا نساءها ولا شبابها، ولا الجرحى ولا الأسرى، الذين يَمْضُون بسعادة ورضا في كفاحهم وتضحياتهم من أجل أرضهم وحقوقهم ومقدساتهم ومستقبل أبنائهم.

وبناء على هذا الكفاح وتلك التضحيات العظيمة قلنا وردّدنا بثقة ويقين: إنّ كل الصفقات التي تهدف إلى تصفية قضية فلسطين صفقاتٌ خاسرة، ولن تنجح مهما وقفت وراءها أمريكا أو كل قوى الأرض، من قرار التقسيم الذي أعطى للصهيونية موطئ قدم في أرضنا، إلى صفقة القرن التي تريد أن تجعلهم سادة المنطقة وأصحاب الحقّ الوحيدين في فلسطين.

وإذا كان التطبيع يرمي إلى تثبيط المناعة في جسم الأمة عن رفض الكيان السرطاني الغاصب، فإننا على يقين أيضًا أنه مهما تنازل المطبّعون أو وقعوا اتفاقات سلام مع الاحتلال، فكلُّ ذلك إلى زوال بفضل الشعب الفلسطيني وصموده وتضحياته.

ولن ينعم الكيان الصهيوني بالاطمئنان إلى دوام احتلاله ولو أعطاه العالم كلّه العهود بذلك، ولن يستفيد شيئًا إذا ربح الدنيا كلَّها وخسرَ الفلسطينيين، وكيف يربح الصهيونيُّ مودةَ فلسطين وهو المعتدي والغاشم والظالم ؟!

من هنا نعلم أنّ هذه المودة المبالغ فيها ما بين المطبّعين الجدد وبين الكيان الصهيوني ليست إلا دليلًا على انسلاخ هؤلاء المتخاذلين من الأمة، بل وعلى عداوتهم لها، وعلى تجذّر العلاقة فيما بينهم وبين الاحتلال – في الماضي والحاضر – إلى حدّ أعظم مما يبدو. ولا يخطر بالبال وصفٌ لهم إلا صفةُ (اليهودي الوظيفي) التي أطلقها العلامة المرحوم عبد الوهاب المسيري، وهي تدلّ على عنصر أو إنسان غير يهودي حسب التعريف التقليدي لليهودي، ولكنه يقوم بكل الوظائف المطلوبة منه لخدمة المشروع الصهيوني، ولكن تحت أسماء إسلامية أو مسيحية أو علمانية، وباسم الثقافة أو التسامح أو المصلحة أو السيادة الوطنية !

وعلينا أن نكون واعين ومستعدين لأشكال متعددة من هذا اليهودي الوظيفي، في صورة مفتين ومثقفين وإعلاميين وأدباء وشعراء يمجدون السلام مع الغاصب، ويبحثون لإجرامه عن مبررات، في الوقت نفسه الذي يدينون فيه المقاومين، وينكرون على الفلسطينيين حقوقهم، ويدعونهم إلى التنازل والتسليم، وهذا هو الإفك المبين.

(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم؛ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور 11.

محمد أديب ياسرجي
أمين سر الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى