الحق المُطلق في وجه الباطل المُطلق
عندما يكثر الهرج، وتكثر وجهات النظر، وتضيع البوصلة الضابطة للحق، ويزداد عدد تجار الحروب والمساومين على قضايا الأمة التي تتعلق بهُويتها وتاريخها ومقدساتها، يُصبح البيان فرض عين، وتذكير الغافلين عقيدة لا محيد عنها، والجرأة والصراحة والموضوعية حق لايجوز المجاملة فيه، مهما كان ثمن قول الحق، من هنا يمكننا فهم حديث النبي المصطفى ﷺ الذي لاينطق عن الهوى والذي يفرض قول الحق في زمن الظلم والاستبداد كي لاتضيع الحقائق والأوطان، ومن أجل أن يعرف المُستبد أنه ليس حُراً في تصرفاته لأنه عبد وليس إلهاً، بين هذا رسولنا ﷺ بقوله: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، كل سُلطان جائر، كل رئيس جائر، وكل سياسي جائر، وكل حزب جائر، لأن الجور جريمة مُتعددة الأصناف والوجوه، والجائر مُتعدد الأسماء والألقاب والمناصب.
اليوم ولدى مُشاهدتنا لما يحصل في مدينة القدس وغزة والضفة على وجه الخصوص، وفلسطين وما حولها عموماً، يُدرك كل منا حجم الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية في كل نواحيها الاستراتيجية والاقتصادية والفكرية بل والعقدية، ويشعر باننا أقرب ما نكون من تصنيفنا بالأمة الغُثائية، والأكلة قد شمروا عن سواعدهم وتحلقوا ليأكل كل منهم ما تشتهيه نفسه من هذه القصعة، ليُشبع نهمه وجشعه وساديته.
أين من يستحضر للأمة اعتقاداً وليس مجرد إعلام أو عمل وظيفي مكانة القدس بأنها الحق المطلق الذي لا يجوز نسيانه أو المساومة عليه، وأنها العاصمة الأبدية لفلسطين، وأنها غير خاضعة لسياسات الأمر الواقع، وأنها حق غير قابل للتصرف به، ولا يحق لأحد التنازل عنه مهما كانت صفته السياسية والحزبية والوطنية، وأن هذا الحق هو ملك لكل المسلمين أينما كان مكان وجودهم، وحماية هذا الحق أيضاً واجب كل المسلمين، كل منهم على قدر وسعه وجهده، ولا يجوز نسيانه أو تناسيه مهما كان وضع الأمة متردياً، فالذي لا نستطيع اليوم تحريره، لا يجوز أبداً بيعه أو هبته أو التنازل عنه، فأجيالنا القادمة لها الحق أن تأخذ فرصتها للذود عن مقدساتها وعقيدتها وتاريخها، ولايجوز مصادرة هذا الحق منها مهما كانت الأسباب، سواء كان هذا المُصادر داخلياً أو خارجياً، وبغض النظر عن دينه ومنطلقه.
يجب أن تخرج القدس وفلسطين وقضايانا الكبرى من سوق النخاسة السياسية، وسوق الطامعين بالمكاسب الشخصية، وكذلك من أروقة الفنادق المغرية والخاطفة للأبصار، وتعود إلى خنادق الجهاد بالبندقية والقلم والفكرة والعلم والحضارة والإنسانية، كوننا أمة الحضارة والإنسانية، وأننا مكلفون ربانياً بإخراج الناس كل الناس من الظلمات بكل صورها إلى النور بكل صوره.
يجب أن يستحضر العالم والمعلم والسياسي والكبير والصغير، لماذا شاءت إرادة الله تعالى أن يكون المعراج من القدس وليس غيرها، وهو القادر أن يعرُج بنبيه ﷺ من مكة البلد الذي يسكنها رسوله المصطفى ﷺ، أو من أي مدينة أُخرى، ليعلم الكل أن مكانة القدس أعطاها لها ربها سبحانه، ومن أراد أن يُطيع ربه فعليه أن يُحافظ على ما قدّسهُ ربه.
يارب عبودية ترضاها وتحبها لنا
منسق الملتقى العلمائي العالمي



