هل نقول وداعاً للأمم المتحدة؟
“لقد أنهينا ثماني حروب” بهذه العبارة المملة والمُكرّرة بلا كلل، دافع دونالد ترامب عن إنشاء “مجلس السلام”، وذلك بعد أن أحدث تغييرات جذرية في النظام العالمي وانسحب من عدة هيئات تابعة للأمم المتحدة. وبعيداً عن السلطة الشخصية لترامب، فإن الهدف واضحٌ تماماً وهو الاستغلال الاقتصادي، ذلك أن الرئيس سيتمتع، بحسب ميثاق المجلس، بصلاحية إدارة الأموال. ولا يشك في أن إنشاء هذا المجلس يوجّه ضربة قوية للأمم المتحدة، إذ تتطابق مهماته تقريباً مع مهمات الأمم المتحدة. وينص ميثاقه صراحةً على أن الدول المدعوة للانضمام إليه يجب أن تتحلى “بالشجاعة للتخلي عن المؤسسات التي فشلت مراراً وتكراراً” في إشارة ضمنية إلى الأمم المتحدة، من أجل إنشاء “منظمة سلام أكثر مرونة وفاعلية”.
والواقع أن الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على هيمنتها العالمية سياسياً واقتصادياً ومالياً. ولتحقيق هذه الغاية، وفي عالم يطمح دونالد ترامب إلى حكمه، يُنشئ هيكلاً جديداً بعيداً كل البعد عن المُثل التي سادت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبحسب فرانسوا أوديه، مدير معهد مونتريال للدراسات الدولية، فإن مجلس السلام “هيكلٌ يفتقر إلى الشرعية، ويُمثل شكلاً جديداً من أشكال الاحتلال، ونمطاً أميركياً من الإمبريالية الاقتصادية”. وهو، في المقام الأول، “تجسيدٌ لرئيس أميركي مهووس بجنون العظمة، ومهووس بالاستيلاء على الأراضي، ونرى ذلك جلياً في غرينلاند وفنزويلا، وإلى حد ما في كندا”. ويخلص البروفيسور أوديه إلى أن “هذا السيناريو محكومٌ عليه بالفشل منذ البداية، ولقد شهدنا الإمبريالية الأميركية في أفغانستان والعراق”. أما زميله رشاد أنطونيوس، مؤلف كتاب “غزو فلسطين” الصادر سنة 2024، فهو يرى تشابهاً بين مجلس السلام الذي أنشأه دونالد ترامب والانتداب البريطاني على فلسطين سنة 1920 الذي منحته عصبة الأمم، سلف الأمم المتحدة، لكنه يوضح: “أن الانتداب كان مُنح لبريطانيا العظمى وحدها، أما هنا، فهو مجلس يسعى إلى جمع عدد كبير من الأشخاص، لدرجة أنه يحلّ، بطريقة ما، محلّ الأمم المتحدة”. ويضيف: “باعتماد مجلس السلام هذا، يكون مجلس الأمن قد خان مبادئه، إذ فوّض هيئةً تحلّ محلّ الأمم المتحدة، وتجمع عدداً كبيراً من الأشخاص، وأموالاً طائلة، لتغيير وجه الأرض.
وبينما يعتقد مراقبون آخرون أن إنشاء مجلس سلام ترامب ينذر بزوال الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يقول البروفيسور فرانسوا أوديه: “لا أعتقد أن الأمم المتحدة ستنهار بسبب هذه المبادرة؛ لقد صمدت المنظمة في وجه العديد من الأزمات العالمية، لكن ما تبقى من ولاية ترامب سيكون صعباً للغاية على الأمم المتحدة، على جميع المستويات”، ويضيف أن خطابَي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دافوس يظهران “مقاومةً كبيرة، وأنه إذا قاومت الأمم المتحدة الرئيس الأميركي الحالي، فقد نشهد أمماً متحدة مُتجددة، ومن المُرجح أن يُجرى حوار بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن”، مؤكداً “أن بقاء الأمم المتحدة سيعتمد أيضاً على إصلاحات جذرية”. وفي هذا السياق، يدعو العديد من الدول، ومن ضمنها فرنسا، إلى زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بانضمام دولتين أفريقيتين، بالإضافة إلى البرازيل وألمانيا واليابان والهند، وإلى تعليق حق النقض (الفيتو) في بعض الحالات لمنع المجلس من الشلل، كما يحدث في كثير من الأحيان.
من ناحيته، يعتقد البروفيسور رشاد أنطونيوس أن العديد من الدول “ستناضل من أجل إبقاء الأمم المتحدة”، لكن قيام مجلس سلام ترامب “سيُمثل شكلاً من أشكال تهميشها، بحيث لا تلعب دوراً رئيسياً في الصراعات”.
ماهر الشريف – باختصار



