مقالات

الطريق إلى القدس

القدس.. تاريخنا وتراثنا ومقدساتنا.. لا يهمنا تقسيمها إلى شرقية وغربية، ولا يعنينا أنها مجزأة إلى قديمة وحديثة، ولن نستوعب مطلقاً أنها عاصمة للكيان الصهيوني الغاصب المحتل.

إنها القدس.. قدس السيد المسيح وكنيسة القيامة.. قدس المسجد الأقصى المبارك.. قدس الفضائل.. قدس “عمر بن الخطاب” وهو يدخلها مسالماً مصالحاً، ويقدم لأهلها العهدة العمرية الحضارية المتسامحة.. قدس “صلاح الدين” يحررها من الاحتلال الفرنجي الهمجي. ويعفو عن المقاتلين ويطلق سراحهم، وهم الذين كانوا يدنسون المدينة باحتلالهم ومذابحم وأحقادهم.

القدس التي تتلخص عندها كل معاني التاريخ عربياً ومسيحياً وإسلامياً.. القدس التي يريدون جعلها مدينة يهودية ويقضمون كل يوم أجزاء منها ومن أطرافها، وحقائق التاريخ أقوى من الخرائط التي يرسمها الاحتلال، ولا بد لهذه الخرائط الهجينة أن تزول وتمحوها حركة التاريخ الإنساني. لا يمكن لقلب عربي أن يخفق بلهفة وحماسة كما يخفق عندما يذكر (القدس الشريف). القدس المدينة التي دخلت الذاكرة القومية، والوجدان الجماعي، والبعد الجماعي، والبعد الحضاري، والقداسة بمفهوميها الإسلامي والمسيحي، القداسة الجغرافية والتاريخية والحضارية.

والقدس اليوم في أرجوحة الألاعيب الدولية، تتقاذفها المصالح الوقحة، بعيداً عن أي اعتبار إنساني أو قانوني أو تاريخي.
واللافت في الموضوع أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتسابق في كسب الودّ الصهيوني، ويتصاعد الالتصاق بالمشروع الصهيوني إلى درجة يسبق فيها بعض الرؤساء الأمريكيين الطروحات الصهيونية نفسها. وهذا ما نراه متجسداً خلال ستة عقود بلغت ذروتها مع الرئيس الأمريكي الحالي الذي أخذ يتبارى مع رئيس الوزراء الصهيوني في التعبير عن الحماسة للكيان الصهيوني.

ويتجلى ذلك في هذا الموقف المعلن المتغطرس في وجه المشروع الفلسطيني الخجول الذي يسعى إلى كسب عضوية الدولة الفلسطينية (المرتقبة) في هيئة الأمم المتحدة. وكان التهديد بالفيتو الأمريكي بكل صلافة وعدوانية، على الرغم من أن الطلب الفلسطيني المتواضع لا يقدم ولا يؤخر في مسيرة الصراع بين العرب والصهاينة، هذا الصراع الذي يكتسي أبعاداً تاريخية وإنسانية. ولا يمكن إلا أن ينتهي وفق الحتمية التاريخية الإنسانية التي تعيد الحق إلى أصحابه.

لقد مكث الفرنجة في احتلالهم للقدس /88/ عاماً منذ 1099 حتى 1187م. وأسسوا مملكة بيت المقدس في إطار ما سمّوه (الحروب الصليبية). ولكن الأمور عادت إلى مجراها الطبيعي حينما توحدت الصفوف واستكمل الإعداد للتحرير الكامل. وحمل “صلاح الدين” المنبر الخشبي الذي صُنع في حلب ووضعه في حرم المسجد الأقصى.
إن ذاكرة الأجيال لا يعنيها من يفاوض أو يصالح أو يهادن أو يطبّع أو يوقّع اتفاقاً مع العدو. فهذه كلها حركات تسير عكس تيار التاريخ ولا بد للموج أن يجرفها ويلفظها خارج مجراه الصحيح.

إنّ اللعبة الدولية التي يستفيد منها العدو الصهيوني في استمرار وجوده يمكن أن تتغير قواعدها في أية لحظة. وذلك حينما يتمكن العرب ومن ورائهم العالم الإسلامي والقوى الإنسانية الخيّرة من أن يفرضوا مساراً جديداً للمصالح الدولية، ويصبحون الفاعلين الأقوياء في هذا المسار. وليس هذا ضرباً من الخيال ولا الأوهام، وها هي الصين تتحول خلال أقل من نصف قرن إلى قوة ستحتل المكان الأول في العالم على كافة المستويات متجاوزة قوى امبراطوريات عتيدة كانت ترسم سياسات العالم.

إننا حينما نحفر اسم (القدس) في ذاكرتنا العربية فنحن نعني القدس التاريخية، التي لا يمكن تجزئتها إلى شرقية وغربية، ولا يصبح همنا الأول أن نهرول وراء وقف الاستيطان الصهيوني، والحدّ من الغطرسة العدوانية، بل إن همنا الكبير والأول والأخير هو القدس جميعاً، وهو فلسطين جميعاً من نهر الأردن المقدس، إلى شاطى المتوسط صاحب الحضارات الإنسانية العريقة والخالدة.
إن الأجيال العربية لن تعترف بالكيان الصهيوني، ولن تصالحه، ولن تفاوضه. إنها أرضنا أولاً وأخيراً، وهي القلب الذي ينبض بالحيوية ويوزع تلك الحيوية عبر القارات، إن القدس مدينة الفضائل والكفاح، وليست مدينة الانقسام والاستيطان.

وها هي التطورات اللاهثة المتلاحقة تحشر العدو الصهيوني في زاوية العزلة، وتحشر معه حليفه الأمريكي في موقف يجعله يتحدى الإرادة الإنسانية وهو يقف ملوحاً بـ(الفيتو) ضد المشروع الفلسطيني الخجول للحصول على عضوية الأمم المتحدة.

إن أجيالنا لن تعرف اليأس، وسوف يبقى القدس الشريف محفوراً في ذاكرة تلك الأجيال تاريخاً وحضارة وعمراناً ومستقبلاً متحرراً.

بقلم الدكتور محمد قجة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى