مقالات

صمودٌ لا مثيلَ له.. غزةُ تُعيدُ قراءةَ التاريخ

ربما يستغربُ الكثيرُ مِمَّا يحدثُ لأهلِنا في غزة، وخاصَّةً من الإخوةِ في العروبةِ والإسلام، إذ يُتركُ الغزِّيُّ خصوصًا، والفلسطينيُّ عمومًا، وحدَهُ – إلا من البعض – ليُلاقي مصيرَهُ الذي يرسمهُ عدوُّهُ، ويُنفِّذُهُ كثيرونَ مقابلَ كرسيٍّ حرامٍ، ومالٍ حرامٍ، واستقرارٍ كاذبٍ موهوم، إلى آخرِ المشهدِ الذي باتَ واضحًا لكلِّ ذي عينٍ ترى، وأذنٍ تسمعُ، وعقلٍ يُدركُ القضايا دونَ الدَّجلِ السياسيِّ والإعلاميِّ.

لا تستغربوا، إخوتي، فالتاريخُ يُعيدُ نفسهُ بدقَّةٍ، والخيانةُ للدينِ والبلادِ والعبادِ مهنةٌ يتقنُها السَّفَلةُ والسَّاقطونَ في امتحانِ الكرامةِ والعزَّةِ والرجولةِ والصُّمودِ، مهما رأيناهم يرتدونَ أثوابَ البطولةِ والرجولةِ ونياشينَ الحروبِ التي خاضوها في غرفِ النومِ وغرفِ الخيانةِ والأقبيةِ السوداءِ.

في عامِ 656هـ، حينَ كانَ المغولُ يُحاصرونَ بغداد، أدركَ الأميرُ محمد بن غازي، حاكمُ ميافارقين (مدينةٌ شمالَ حلب)، خطورةَ الوضعِ، فدعا لاجتماعِ حكَّامِ الولاياتِ المجاورةِ – حلبَ ودمشقَ والموصل – للتشاورِ واتخاذِ القرارِ المناسب، ولكنَّ الجميعَ هربَ تحتَ حجَّةِ: “لا طاقةَ لنا بمواجهةِ التتار”، بل ذهبَ بعضُهم لمهادنةِ التتارِ وخطبِ ودِّهم!

أمَّا محمد بن غازي، فبقيَ ثابتًا، مجاهدًا، رافضًا للخضوعِ والخنوعِ للنظامِ التَّتريِّ – نظامِ العالمِ الجديد – فجمعَ شعبَهُ وذكَّرهم بربِّهم وتاريخِهم وجهادِ نبيِّهم وصحبِه الكرام، ثمَّ جمعَ النساءَ والأطفالَ ووضعَهم في قلعةِ آمدَ المُحصَّنة، ليخوضَ حربًا ضروسًا ضدَّ استبدادِ التتارِ.

أزعجَ هذا القرارُ النظامَ العالميَّ الجديد (التتار)، إذ كيفَ يجرؤُ أحدٌ على الوقوفِ في وجهِ هذا الطُّوفان، بينما سقطَ الجميعُ واستسلموا؟! لذا، قرَّر هولاكو أن يكونَ محمد بن غازي عبرةً لكلِّ من تُسوِّلُ لهُ نفسُهُ أن يقولَ “لا” للنظامِ الجديد، فأمرَ بإبادةِ هذهِ الرؤيةِ مع أصحابِها.

فماذا فعلَ هولاكو؟

أرسلَ أكبرَ قوَّةٍ عسكريَّةٍ بقيادةِ ابنِهِ أشموط بن هولاكو، واستدعى جميعَ الخونةِ ليُقدِّموا فروضَ الطَّاعةِ مقابلَ الكراسي! فهذهِ الاتِّفاقيَّاتُ يجبُ أن تُحترم، ولا يجوزُ مُخالفتُها، لأنَّها محميَّةٌ بالقوانينِ الدَّوليَّةِ، ومواثيقِ الأممِ المتَّحدة!

لم يُقدِّم الجوارُ المسلمُ للأميرِ غازي سلاحًا، ولا رجالًا، ولا طعامًا، ولا موقفًا رجوليًّا تفرضُهُ العروبةُ والدِّينُ، ومع ذلك، بقيَ وحدَهُ، وقاتلَ مع شعبِهِ قتالًا أسطوريًّا حتى النِّهاية.

 لم يستسلم، ولم ينهزم، ولم يُساوم، ولم يُفضِّل البقاءَ على الكرسيِّ، ولم يقلْ لهُ أحدٌ: “يجب أن تتنحَّى من أجلِ مصلحةِ البلاد”، ولم يزايدْ عليهِ أحدٌ بعبارةِ: “أنتَ أميرٌ مُتهوِّر، فلا تُلقِ بنفسِكَ وشعبِكَ إلى التَّهلكة”، لأنَّ الجميعَ كان يُدركُ أنَّ التنازلَ خيانةٌ للدِّينِ والوطنِ والشعب.

والقصَّةُ طويلةٌ، يُمكن لمن أرادَ التوسُّعَ أن يعودَ إليها في مظانِّها. لن نستغربَ أبدًا؛ لأنَّنا نثقُ بربِّنا، وبشعوبِنا، ولأنَّ التاريخَ يُسطِّرُ أنَّ هزيمةَ الظُّلْمِ والاستكبارِ والدِّيكتاتوريَّةِ أمرٌ مُمكنٌ، وأنَّ الاحتلالَ ليسَ قدرًا لا مفرَّ منه، بل إنَّ المسلمَ ضمنَ هذا اليقينِ إمَّا أن ينتصرَ، وإمَّا أن ينتصرَ، فيموتُ حرًّا لا عبدًا.

منسّق الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى