مقالات

الأقصى في قلب المعركة

ليست التطورات الجارية في القدس، ولا ما يتعرض له المسجد الأقصى في هذه الأيام، أحداثًا معزولة يمكن قراءتها بعيدًا عن مشهد الحرب الأوسع في المنطقة. فبينما تنشغل الأنظار بالمواجهة القائمة التي تستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة، وبالعدوان المتواصل على لبنان، تمضي دولة الاحتلال بخطوات متقدمة تمسّ جوهر الصراع ورمزه الأقدس: المسجد الأقصى.

إن ما يجري في الأقصى لا يمكن فصله عن هذه الحرب الكبرى؛ لأن العدو واحد، والمشروع واحد، والغاية واحدة. فالكيان الصهيوني لا يخوض معاركه فقط لإضعاف المقاومة في فلسطين ولبنان أو لمحاصرة الجمهورية الإسلامية، بل لتهيئة البيئة السياسية والنفسية والميدانية لفرض وقائع جديدة في القدس، وتغيير هوية المسجد الأقصى، والتدرج نحو بسط السيادة الكاملة عليه ضمن مشروعه التوسعي الذي لا يخفي طموحه إلى ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”.

جسّ نبض

ولا ينبغي أن تُفهم هذه التصرفات التصعيدية بوصفها مجرد استفزازات عابرة أو اعتداءات اعتيادية، بل بوصفها جزءًا من مشروع أكبر لجسّ نبض الأمة، واختبار ردّة فعلها، وترويض وعيها، وقياس مقدار حضور القدس في وجدانها في ظل الانشغال بالحروب والضغوط الكبرى.

فالعدو يدرك أن إشغال الأمة بصراعاتٍ جانبية، واستنزافها في معارك متفرقة، يفتح أمامه المجال أوسع للتقدم في مشروعه التهويدي داخل القدس. ولذلك فإن الاعتداء على الأقصى اليوم ليس حدثًا عابرًا ولا فعلًا منفصلًا، بل خطوة محسوبة ضمن سياق أوسع، يُراد من خلالها اختبار حدود الرد، وقياس مستوى الحضور الشعبي والرسمي، ثم البناء على ذلك لتمرير وقائع جديدة تُفرض تدريجيًا على الأرض.

من يقرأ المعركة.. يفهم موقع القدس

إن الربط بين ما يجري في الأقصى وبين مجريات الحرب القائمة ليس مبالغة في التحليل، بل هو من صميم القراءة الصحيحة للمشهد. فالقضية ليست عدوانًا هنا واعتداءً هناك، بل معركة واحدة تتوزع على ساحات متعددة، عنوانها إضعاف الأمة، وكسر إرادة المقاومة، وفرض الوقائع التي تخدم المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة معًا.

ولهذا، فإن الدفاع عن المقاومة في فلسطين ولبنان، والثبات مع الجمهورية الإسلامية، والوعي بخطورة الحرب الجارية، كل ذلك يتصل اتصالًا مباشرًا بالدفاع عن فلسطين، وبمنع العدو من الوصول إلى هدفه الأخطر: السيطرة الكاملة على الأقصى، وفرض مشروعه التلمودي.

ومن هنا، فإن المساس بالأقصى اليوم ليس على هامش الحرب، بل في قلبها؛ لأن الغاية النهائية ليست مجرد إضعاف خصم سياسي أو عسكري، بل تمكين المشروع الصهيوني من تثبيت وقائعه الكبرى على الأرض، وفي طليعتها فرض السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى.

مسؤولية الحد الأدنى

وأمام هذا المشهد، فإن قادة الأمة الذين قصّروا في الموقف من المعركة القائمة في المنطقة، مطالبون اليوم – على أقلّ تقدير – أن يقفوا عند مسؤولية الحدّ الأدنى في الدفاع عن القدس والأقصى، وإعلان موقفٍ واضحٍ لا لبس فيه من انتهاك حرمته، ورفض كل محاولة لفرض وقائع جديدة عليه، وأن يعلنوا بوضوح أن الأقصى ليس متروكًا، وأن القدس ليست مستباحة، وأن العدوان عليها عدوان على وجدان الأمة كلها، لا على الفلسطينيين وحدهم.

فالصمت في هذه اللحظة ليس إلا تفريطًا صريحًا، وفتحًا للطريق أمام العدو ليواصل عدوانه مطمئنًا إلى غياب الرد، واضطراب المواقف، وافتقاد الكلمة الواضحة. ومن هنا، فإن أدنى ما تقتضيه المسؤولية اليوم هو موقفٌ صريح في إدانة انتهاك الأقصى، واتخاذ خطواتٍ عملية تحول دون تثبيت هذا العدوان أو تفاقمه.

وتبقى القدس، وأقصاها المبارك، هي البوصلة التي تميّز بين طريق الحق وطريق الزيف، وتكشف مواقع الصادقين من المتخاذلين، فمن ثبت عندها ثبت على الحق، ومن انحرف عنها ضلّ الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى