مقالات

الكرامة فوق اللقمة

يتناول الإنسان طعامَه وشرابه وهو يعلم أنَّ حياته مرهونة بذلك، مَثَلُه في ذلك كمَثَل الكائنات الحيّة كلها، التي تستجيب بفعلها هذا لغريزة حبّ البقاء، حتى تقاتلَ بعضَها للحصول على حصّتها من الطعام !

لكن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يمكنه حين يشاء أن يقاوم حاجاته الطبيعية التي تحفظ وجوده، وعلى رأسها الحاجة إلى الطعام، فيمتنع عنه اختيارًا، رغم الجوع، ورغم توفر الطعام والقدرة على الوصول إليه، ورغم المغريات التي يمكن أن تحفّ بهذا الطعام أو يشتمل عليها.

وقد يكون امتناع الإنسان عن الطعام لأسباب تعبدية، كما في استجابتنا لأمر الله تعالى في فريضة الصيام، أو لأسباب صحية، كمن يمتنع عن الدهون.

لكن أبطال فلسطين أحيَوْا سُنّة عظيمة، سار على سبيلها عددٌ من أحرار العالم، وجاء أسرى فلسطين فأعطَوْها تألّقَها وزادوها بهاءً وشرفاً ونُبلاً؛ إنها سُنَّة “الإضراب عن الطعام”، حيث يكون الامتناع عن الغذاء وسيلةً لمقاومة إجرام الاحتلال، وفضح جبَروت الجلاد وعسَف السجَّان، وحيث تكون الكرامة والحرية أكثر أهمية من الأكل والشرب.

لقد كرَّم الله تعالى الإنسان، ومن هذا التكريم نشأت تلك الخاصيّة الفريدة التي يمتاز بها الإنسان على باقي المخلوقات التي نعرفها، وهي الشعور بالكرامة !

وعندما توضع حاجات الإنسان في الميزان، تتبوأ الكرامة والحرية أعلى درجات الأهمية، حتى تصل مكانتها إلى درجة تعادل “الوجود المادي” للإنسان، بل تتفوق عليه في المكانة والاعتبار، فإذا ما وُضع الإنسان العاقل المتوازن ما بين خيارين؛ أولهما الحفاظ على حياته المادية مع إهدار كرامته، في مقابل الموت مع الحفاظ على كرامته، فإنَّ هذا الإنسان لا يتردد أبدًا في اختيار الكرامة، ولا يبالي حينها هل يقعُ هو على الموت أم يقع الموت عليه !

عِشْ عزيزاً، أو مُتْ وأنت كريم- بين طعن القنا وخَفْقِ البنود.. هذه كانت كلمات العربي الصميم، التي عبّر بها عن الإنسانية الصافية.

ولا تزال هذه الكلمات حيّة تتراءى لنا اليوم من خلال أبطال معركة “الأمعاء الخاوية”، حيث الأنفس الطافحة بالعزة، الناضحة بالشهامة، العبقة بالكرامة !

نقول هذا ونحن نتابع المعركة الشريفة التي يخوضها الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس، والتي تجاوزت يومها التسعين ولا يزال هذا البطل صامدًا، غير وانٍ ولا عاجز؛ يقاوم الأسر ويكسر القيدَ ويواجه السجن والسجّان، وبين جَنْبَيه نفسٌ عزيزة لا تزداد مع الجوع إلا إباءً، ولا تعرف مع وهَن الجسم ونُحوله إلا القوة والشمم.

ماهر الأخرس حلقة جديدة في سلسلة الشرف، الذين حمل أفرادها فلسطين ما بين الأعين، وركَزوها ما بين الأضلع والشغاف؛ ولا شكّ في أنَّ قضيةً يُتاح لها مثل هؤلاء الفرسان قضيةٌ رابحة.

وكيف لا تنتصر هذه القضية وأبطال الأمعاء الخاوية يقولون: إذا كانت اللقمة حاجزًا يفصل بيننا وبين تحقيق آمالنا، وصيانة عزتنا وكرامتنا، فتعسًا لتلك اللقمة وبُعدًا لها.

وإذا لم يكن بيننا وبين تحرير فلسطين إلا أن نبذل أرواحنا؛ فهذه حياتنا هدية طيبة لفلسطين.

ماهر الأخرس وأقرانه حجةٌ دامغة، يكشف بها الحقّ تخاذلَ المطبعين الذين يهرولون لمسالمة المجرمين، وترسم السبيل القويم الذي يؤدي إلى استعادة الحقوق، وتحرير الأرض والمقدسات.

محمد أديب ياسرجي
أمين سر الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى