غزة.. ومجلس السلام الذي يقوده المجرمون
بقلم الشيخ محمد الناوي
﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (الأنفال: 30)
مع تسارع الأحداث وشدة تصاعدها في الشرق الأوسط، لم يعد الحديث عن غزة كاملاً دون ربطه بمجريات الأمور الإقليمية، حيث يحشد الأعداء أساطيلهم العسكرية استعداداً لمواجهة قد يتعرّف الجميع إلى بداياتها، ولكن من الصعب جداً التكهن بمآلاتها، وخاصة إذا علمنا من خلال تصريحات الأطراف المتنازعة أنها قد تكون الحرب الأخيرة، وهذا يعني بكل وضوح أن هذه المواجهة تُعد من قبيل الشر الذي لا بدّ منه، لأن فيها تقريراً لمصير أمة منهكة خذلاناً من الداخل وعدواناً من الخارج، ومصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ (البقرة: 216).
إن العدوان على غزة لم يتوقف وإن أُعلن عن وقف إطلاق النار منذ ثلاثة أشهر، حيث سُجّل استشهاد أكثر من خمسمائة فلسطيني في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، كما أن المرحلة الأولى من الاتفاق لم يلتزم فيها العدو بإدخال المساعدات اللازمة لغزة، ولا استطاع إلزام العدو ببنود الاتفاق رعاته ولا ضامنوه، والقفز إلى المرحلة الثانية منه يُعد خطأً قانونياً ومن البناء على فراغ أو من البناء المهتز الذي لن يستقر، لأن القاعدة القانونية الثابتة تقول: «ما بُني على باطل يبقى باطلاً»، إذ هو قفز على آلام وعذابات أهلنا في غزة وعدم احترام أدنى مقومات الحياة الإنسانية من غذاء ودواء ومسكن…
والعجب، كيف يصدق العالم هؤلاء المشرفون على مجلس السلام وهم من عتاة الإجرام والفسق والفجور، بل وكيف تُستبدل المؤسسات الحقوقية الدولية بمجلس يؤسسه فرد وينتقي من أعضائه ما يشاء من مجرمي الحروب والمتواطئين من بني جلدتنا…
وبالعودة والربط بين ما يجري في غزة والمنطقة، تسير الأقدار الإلهية وفق علم وحكمة الله، ونقرؤها ضمن سياق سنن الله الثابتة في أن لكل متجبر يوماً ينكسر فيه، وحاشى لله أن يتخلى عن صفوة عباده الصابرين المجاهدين الذين قاموا نصرة لدينه ولأرضه ومقدساته وللمستضعفين، ومن هنا فإننا ورغم الألم والفقد الكبير لكل الشهداء فإننا ننتظر تدخلاً غيبياً عظيماً تُقلب فيه الموازين لصالح المستضعفين، تُقدَّم فيه تضحيات كبيرة، ولكننا على يقين أننا على موعد مع نصر باهر يصدق الله وعده في قرآنه بعزة الإسلام والمسلمين..
وبين الألم والنزيف الذي لم يتوقف في أرض فلسطين وبين التحشيد العسكري في المنطقة، فالعدو يخوض حرباً واحدة وإن تعددت الجبهات والعناوين والتعلات، وعلى المسلمين أن يحملوا نفس التفكير لأن العدو لا يفرق بين طوائفهم، فهدف العدو هو السيطرة وإذلال كل الأمة، وهو يستهدف كل نفس مقاومة تحمل الإسلام المحمدي الأصيل في العيش بعزة وكرامة، وبذلك تنتفي مطلقاً كل المحطات الرمادية في الحياد، فإما أن تكون في صف المقاومين الشرفاء أو في صف الأعداء…
ومع قرب حلول شهر رمضان، على المسلمين أن يستذكروا أنه شهر الانتصارات الكبرى وشهر الجهاد مثلما هو شهر العبادة، وعليهم أن يوحدوا صفوفهم ليس في الصلاة فقط بل في مواقفهم، في وحدة الصف الإسلامي وفي خطبهم ومجالسهم في الدعوة الجادة لنصرة القبلة الأولى وإخوانهم المستضعفين في أرض الرباط، وليعلموا الأجيال أن العزة والكرامة تتطلب أثماناً باهظة، وأن الركون إلى الدنيا لا يجلب للأمة سوى الذل.. ﴿ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: 40)



