فلسطين: من دورة الإفناء إلى عدالة السماء
بقلم الشيخ محمد الناوي
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾(الأنفال: 24).
لقد كانت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية فرصة للعديد من الدول لتنتزع حريتها من الاستعمار، إلا فلسطين؛ فإن المؤامرة كانت أكبر، ووعد بلفور المشؤوم جعلها تعيش في دورة “الإفناء” المخطط لها بتنفيذ من قوى الهيمنة والاستكبار.
وفي زمن أعلن فيه الأعداء عن طبيعة المواجهة وأنها حرب اجتثاث وتغيير كلي لخارطة الشرق الأوسط، بل وحرب دينية استناداً إلى نصوصهم التوراتية، تفاجأنا بمواقف بعض النخب وبعض من علماء الأمة في عدم أخذ هذا التهديد الوجودي على محمل الجد، لتنشغل -ومتعمدة- في إثارة النعرات العرقية والمذهبية، أو أن تكون غير مكترثة بما يجري وغارقة في مواضيع لا علاقة لها بالواقع. وفي المقابل، نشهد وعياً متقدماً للشعوب المسلمة والحرة يتجسد في وقوفها وتأييدها القوي للجانب المظلوم في هذا العدوان الوحشي.
لقد شكلت القضية الفلسطينية حالة دفع وأمل لدى الشعوب المسلمة طيلة ثمانية عقود، وحاول المقاومون الشرفاء إبقاء القضية حية في ضمير الأمة، ولكن غطرسة الأعداء دفعت مراكز القرار الدولي إلى الانحياز الكلي للكيان المحتل، وعملت على تزييف الحقائق حول فلسطين حتى أثرت على الرأي العام وانتقلت العدوى إلى بعض المسلمين ليتحدثوا بشكل “طبيعي” جداً حول حق المحتل في تلك الأرض. وهكذا دخلت القضية في طور الإفناء التدريجي الفعلي، حتى تجرأ العدو على محاولة محو غزة وبدء الضم الفعلي للضفة، واحتل أجزاء من الدول المجاورة، ونشر خارطته “التلمودية” بكل ثقة وسط صمت دولي مطبق، وبات العالم العربي -خصوصاً- في حالة إحباط وانبطاح؛ عدا الشرفاء الذين لم تهزهم العواصف، وكانوا مصداقاً لقول ربنا:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).
لقد كانت النصوص القرآنية واضحة لمن استوعب معناها؛ فالاستجابة لأمر الله ورسوله ﷺ تمنح المؤمن الحياة الكريمة، ومقارعة الظالمين تعني عدم الرضا بالهوان مهما كان الضعف ومهما كانت قوة العدو. فمن كان يظن أن “انتفاضة الحجارة” ستتحول بعد أربعين عاماً إلى “طوفان” يزلزل هيبة العدو ويوقف قطار التطبيع؟ ومن كان يظن أن الصبر الاستراتيجي لجبهة الحق والصمود الأسطوري لأهلنا في غزة وفي باقي الجبهات سينسف مشروع “الشرق الأوسط الجديد”؟
إن ما يجري من أحداث في المنطقة قد نفخ الروح في أقدس قضية، بل وجعل من التحرير الكامل لفلسطين أمراً ممكناً وقريب التحقق؛ فالعدو في وضع لا يُحسد عليه، سواء في جبهته الداخلية أو في صورته أمام العالم ككيان مجرم ومصدر للتهديد الأكبر للسلم العالمي. كما أن داعمه الأكبر بات في وضع مهتز، حيث أوصله تهوره وشيطنته للمنطقة لعقود إلى أن تُضرب قواعده، وقد يضطر لتركها والمغادرة إلى غير رجعة بعد أن تبيّن للجميع أن تلك القواعد لا تحمي من استضافها، بل هي نقاط استنزاف لثروات شعوب المنطقة.
وفي يوم القدس لهذا العام، برز الأحرار والشرفاء ليشخّصوا للعالم مآلات هذا الصراع، وأن هذه الحرب هي “الكبرى” وقد تكون “الأخيرة” لأجل عالم يسوده العدل، وليس ذلك العالم الذي يتحكم فيه حفنة من الطغاة وعديمي الأخلاق. وهم عازمون على دفن “مجلس السلام” المزعوم ورسم معادلات جديدة لشرق أوسط مستقر يحكمه أبناؤه بعزة، بعيداً عن أي تدخل أجنبي، وتكون فيه كل فلسطين خالصة لأهلها؛ لأن تلك الأرض المقدسة والمباركة لا تتسع لهويتين.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق: 3).



