مقالات

الخطوة المفصلية

طبيعيٌّ، وليس مستغرَبًا، كلُّ ما نراه اليوم أو نسمعه أو نقرأ عنه في الصحف والمقالات والدراسات الصادرة عن مراكز الدراسات بشتى تخصّصاتها؛ حصارٌ اقتصادي على بلدٍ ما، ومنعُ الطعام والغذاء والدواء عن بلدٍ ما، ومنعُ الإعمار في بلدٍ ما، واعتداءٌ على المقدسات في منطقةٍ ما، واستهدافٌ للرموز في منطقةٍ ما، وإلغاءٌ لثقافة شعب ونسفٌ لتاريخه، وفرضُ تاريخٍ وثقافةٍ بديلة في إقليمٍ ما. واكتب ما شئت من المشاهد، فالكلّ ليس مستغرَبًا.

نعم، ليس غريبًا على أي دارسٍ وقارئٍ للتاريخ وحركة الأفكار، والمقدمات المنطقية والنتائج المترتبة عليها؛ فعندما تصبح الخيانة وجهة نظر، وعندما يمكن للحق أن يُساوَم عليه، وعندما يصبح الجهاد إرهابًا يجب التصدّي له، وعندما يُقدَّم العدو على الصديق، وعندما تصبح السياسة إدارةً لمصالح الأشخاص لا لمصالح العباد والبلاد، وعندما يصبح المحتل رمزًا للديمقراطية، ومن الواجب دعمه من أجل بقاء الحرية والديمقراطية، وعندما ندفع الأموال الضخمة للعم سام وأعوانه، ونترك ذوي القربى يموتون من الجوع والبرد والمرض، ولا يتحرّج الدافع من هذه المعادلة، وعندما يصبح الدين أداةً لتبرير كل ما يجري؛ تصبح كل هذه القضايا نتائجَ طبيعية لتلك المقدمات المختلّة. فالمنطق يقول: “النتائج ما هي سوى مصاديق لمقدمات تم اعتمادها”.

الخطوة المطلوبة منا اليوم لتغيير الواقع المؤلم ليست الشجب والندب، ولا إدخال الجيل في مقدمات اليأس وفقدان التوازن، ولا إيصال الجيل الجديد إلى حالة من الشك بتاريخه وحقه، بل وبقدرته على تغيير الأوضاع وإعادتها إلى أصلها الطبيعي والمنطقي.

إنها عملية استعادة الذات من جديد، إنها عملية دراسة كل الأحداث بشكل علمي ومنطقي بعيدًا عن العواطف الفارغة، وعن التخندق لحماية المصالح الشخصية والحزبية والعرقية، لضمان استمرار المنافع المادية على حساب مصالح الأمة الاستراتيجية. إنها عملية التعريف بالهوية التي ينتمي إليها الجيل، لا الهوية البديلة التي تم رسمها في أقبية الغرب الماكر، وزُركشت له بكل الألوان الجميلة، لكنها هوية مزوَّرة.

العملية اليوم تعتمد على قراءة التاريخ والدين والأحداث بعين العزة والعلم والمنطق، لا بعين الانتهازية والمصلحية والتبعية العمياء. العملية اليوم يجب أن يقوم بها ذاك الجرّاح الماهر، الذي يعرف كيف يُدخل مبضعه في هذا الجسد المُنهك ليستأصل الغدة المريضة والمرض الخبيث، ويحافظ على باقي الأعضاء سليمةً معافاة، لا الجرّاح الذي يُدخل مبضعه ليتاجر بأعضاء الأمة، ليُحيي أمةً أخرى.

الخطوة المطلوبة ليست معجزة لا يمكننا القيام بها؛ لقد قام بها الكثير من الشرفاء ونجحت، وما نجح بالأمس يمكن أن ينجح اليوم. فالعدو ليس قدرًا لا يمكن تغييره؛ لقد زال في بلادٍ كثيرة في هذا العالم، ويمكننا إزالته عندما نمتلك الإرادة والمنطق، والجرّاح والموجِّه الشريف. فشباب الأمة ينتظر، ويملك القدرة؛ لأنه سئم حياة الذل والظلام، ويريد أن يرى النور الذي يتّسق مع هويته.

منسّق الملتقى العلمائي العالمي
الشيخ الدكتور عبد الله كتمتو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى