يوم الأرض المباركة.. يوم الجائزة

ممّا لا شك فيه أنَّ الله عزَّ وجلّ حبا أرض الشام وفلسطين خاصة بمزيد من الفضل والبركة، لحكمةٍ منه ورحمة بالناس، وجعل أصلَ البركة المسجدَ الأقصى، كما هو معلوم من القرآن الكريم الذي نجد فيه إشارة أخرى إلى ارتباط هذه الأرض بمفهوم القداسة.
ولهذين المفهومين (البركة والقداسة) دلالات يطول شرحها وبيانها، ولكنها ترتبط بالسعة المادية والمعنوية للإنسان، مع الاتصال بمعاني الإيمان والعبودية لله، وهي خصائص تجعل أهل الباطل يتداعون للسيطرة على هذه الأرض، ولذلك تعرضت فلسطين وما حولها لكثير من الاعتداءات الكبيرة على مرّ التاريخ، وآخرها هذه الهجمة الصهيونية الغربية عليها.
لكنَّ أهل هذه الأرض أثبتوا دوماً أنّ فيهم ثلّة من الأبرار الذين تنسجم طهارتهم مع بركة هذه الأرض وقداستها، ينفرون باسم أمّتهم وبدعمٍ منها للدفاع عن الأرض ودرء المحتل والمعتدي عنها، ويبذلون كلّ غالٍ ونفيس ابتغاء مرضاة ربهم، مهما تكالب الأعداء وتخاذلَ الأقرباء، فعليهم وعلى الذين يناصرونهم مِن بين أيديهم ومِن ورائهم ينطبق – بفضل ربهم – قول الله:
﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وما يوم الأرض الفلسطيني الذي يُحتفل به في ثلاثينَ آذارَ من كل عام إلا شاهد على شكيمة هؤلاء الناس، الذين لم يرتضوا لأنفسهم الذلّ ولا الهوان، ولا يزالون منذ قرن مضى يتابعون بلا يأس ولا استكانة التصدي للظالمين المعتدين الفجرة.
لقد حلّ يوم الأرض هذا العام مع يوم عيد الفطر، الذي وردَ فيه الحديث أنّ الملائكة تسمّيه يوم الجائزة، لأنَّ الكريم سبحانه وتعالى يمنح فيه الأعطيات الجزيلة لمن أدَّى حقَّ رمضان وقام فيه بما ينبغي له أن يقوم به من العبادات والطاعات، من الصيام والصلاة والقيام والصدقات.
وإن كان لنا أن نرشّح أحداً لأعظم جائزة في هذا اليوم الذي يعظّمه الملأ الأعلى، فمن ذا الذي ينافسكم يا أيها المرابطون الذين وفّيتم العهد مع الله، الذين أمسكتم عن الهوان، وصمتم عن الذلّ، والذين تصدّقتم بالأرواح الشريفة.
من ذا الذي ينافس قوماً يفطرون على الجوع، ويعيّدون مع أصوات التكبير على هدير الطائرات، ويزورون المقابر لا لتذكر آبائهم السالفين، ولكن ليُودِعوا فيها أحباءهم وأبناءهم الذين يرتقون في كل يوم بالعشرات، والعالمُ الإسلامي – إلا من رحم الله – مشغول عنهم، لاهٍ عن قضيتهم؛ قد أضاع قضيته، وسلّم زمام أمره إلى عدوه، فبأسُه بينه شديد، وتسامحه مع من ينتهك عرضه وقد احتلّ أرضه.
وبينما يلهو كثير من المسلمين في أمور دنياهم، قام العدو خلال شهر رمضان باعتقال 401 فلسطينياً في الضفة، وقتل 13 آخرين، بينما كانت جرافاته تهدم مخيمات الضفة، وتحيلها إلى ركام لا يمكن العيش فيه، ليعيد تشكيل واقع جديد على وفق رؤيته الاستعمارية، أساسه تهجير الفلسطينيين مجدداً، وحرمانهم من أي استقرار، كما يفعل في غزة، التي نقض اتفاقه معها، واستأنف منذ منتصف الشهر الماضي عمليات الإبادة والاستئصال العرقي، وصولاً إلى يوم أمس الذي شهد لوحده حتى ساعات الظهر ارتقاء أكثر من خمسين، ليقترب مجموع شهداء العيد إلى حوالي 200 شهيد في غزة؛ فلمثل هذا يذوب القلب من كمَد، إن كان في القلب إسلام وإيمان.
اللهم فنسألك أن توفقنا لنتجاوز تقصيرنا مع إخوتنا، وأن نصرهم حقَّ النصر الذي ترضاه، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أمانة سر الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين