غزة.. وتغيّرات المشهد العالمي
بقلم الشيخ محمد الناوي
﴿ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء 62)
عندما نقرأ التاريخ وما حدث قبل قرن من الزمان، نجد أن سقوط عصبة الأمم يرجع إلى عجزها عن حفظ السلام الدولي، مما تسبب في نشوب الحرب العالمية الثانية، ثم حلت محلها هيئة الأمم المتحدة التي أسستها الدول المنتصرة في تلك الحرب لأجل تكريس نفوذها على العالم.
واليوم، نشهد بوضوح أن الأمم المتحدة باتت مكبّلة وأشبه بإدارة من إدارات القوى العظمى، تؤدي وظيفة مصلحية لهؤلاء، بل تم تجاوزها لنرى إعلان الحروب لا يمر عبر موافقتها ولاعبر مجلس الأمن، وبالتالي فنحن نمرّ بفترة أشبه بتلك التي سبقت الحرب العالمية الثانية، بمعنى أن الأمور قد تتدحرج إلى الفوضى العالمية من حروب كبيرة قد تغيّر وجه العالم بشكل كلي.
لا يشكّ أحد أن العدو لم يحقق أيًا من أهدافه المعلنة طيلة عدوانه على غزة، فلا هو نجح في إطلاق أسراه بالقوة، ولا استطاع أن يدمّر أنفاق غزة أو يقضي على مقاوميها؛ فكل ما استطاع فعله هو قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية. وهذا — بالعكس — قد تسبب في تدمير ما بناه من سمعة مزيفة طيلة عقود حتى بات معزولًا دوليًا، وهذا ما دفعه لوقف العدوان لعله يستطيع ترميم صورته البشعة، وهو ما تعمل عليه داعمته الأكبر: أمريكا.
لقد كان القرار الأخير (2803) المعدّ أمريكيًا والصادر عن مجلس الأمن، بمثابة الخطوة الأولى ليحقق العدو — وبكل نعومة — ما عجز عن تحقيقه بالقوة، وذلك بتشكيل مجلس يدير شؤون غزة ويتولى نزع سلاح مقاومتها برئاسة «رأس الشر» ترامب. وقد لقي هذا القرار موافقة كل الدول الإسلامية وعلى رأسهم رعاة اتفاق شرم الشيخ الأخير.
وبالعودة إلى واقعنا كمسلمين، فقد تبيّن ما أصاب الأمة من وهن، حيث بات حديثها خارجًا عن سياق الواقع المرير الذي تعيشه، وخصوصًا صمتها المطبق حول ما جرى ويجري من اعتداءات العدو على المنطقة وخصوصًا على غزة والضفة، وأصبحت نخبها الدينية والأكاديمية تمارس نوعًا من «الاستحمار» على شعوبها عبر إشغالها بالاختلافات المذهبية والخلافات السياسية والأمور الهامشية، بدل العمل على صون المصير المشترك الذي يجمعها حيث يتم استهداف وحدتها ووجودها.
لقد أخبرنا ربنا أن نصر الله متحقق مع القلة الصادقة، وأرشدنا ديننا إلى كل ما يكرّس عزّتنا وقوتنا وشهادتنا على الناس، ونهانا ربنا عن التفرق لما فيه من خطر كبير يؤدي إلى سقوطنا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال 46). وعلى العلماء أن يقفوا لله -وبصدق- في هذه المرحلة الصعبة ليحفظوا ما تبقى من حياة في هذا الجسد المريض.
لقد ابتُليت هذه الأمة منذ بداياتها في نبيّها الذي حُورب واضطُهد إلى آخر لحظة من حياته، وابتُليت في تاريخها بنزاعاتها الداخلية وتكالب الأعداء عليها، وتُبتلى اليوم في القلة المرابطة والصادقة فتخذلها، وتُبتلى في قبلتها الأولى فلا تحرك ساكنًا، وتُبتلى في كل وجودها فلا نرى منها استنهاضًا للهمم، بل باتت فاقدة لمقوماتها الفاعلة كأمة واحدة. ويبقى الأمل في الله ثابتًا أن يغير أحوالنا بتلك القلة المجاهدة، وييسر للأمة اتصالها بأسباب قوتها: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال 10).



