أرض الفتح القريب
ما زال دوي الحرب يغطي على صرخات القانون الموءود على مذبح التجبر والعنجهية الصهيو-أمريكية، خاصة بعد أن دخلت حرب الإبادة أكثر قسوة وخطورة – من عمليات القتل والحصار والسجن بحق شعب فلسطين – بأساليب أكثر خبثاً وتدميراً، مستغلة صمت العالم وتواطؤه الفاضح.
في غزة، تتحول الكارثة الإنسانية إلى جحيم يومي، يقترن فيه الحصار الخانق بقسوة الطقس البارد، ليصبح سلاحاً قاتلاً ضد مليوني إنسان يعانون الجوع والمرض والعري. المشهد الأكثر إيلاماً يتمثل في الانهيار المتسارع للمنظومة الصحية، حيث تتحول المستشفيات إلى مجرد أطلال لا يستطيع طاقمها حيلة، أمام مرضى الفشل الكلوي وأصحاب الأمراض المزمنة الذين يواجهون الموت المحقق.
الأرقام المرعبة – 479 شهيداً خلال فترة وقف إطلاق النار منذ 16 أسبوعاً تقريباً – تؤكد أن سياسة القتل منهج ثابت لا يتوقف بل يتحول إلى أشكال أخرى، لكن عدسة العالم التي تركز على غزّة، لايجوز أن تحجب جرائم الاحتلال المتصاعدة في القدس والضفة الغربية. فمشروع التهويد يتسارع بخطى حثيثة، من إبعاد مدير الحرم الإبراهيمي إلى المخططات المكثفة لطمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة. الاعتقالات الإدارية التعسفية تتصاعد، والصحفيون والأسرى يواجهون تعذيباً ممنهجاً، في انتهاك سافر لكل المواثيق الدولية. وتصريحات وزير المالية الصهيوني الداعية لاحتلال غزة بالكامل، ليست تهديداً عابراً، بل تعبير صريح عن النوايا التوسعية التي لا تزال تحرك المشروع الصهيوني.
هذه الجرائم لم تكن لتستمر لولا الانهيار الأخلاقي الكامل للنظام الدولي، وسيادة منطق القوة على حساب القانون كما أشرنا في أعداد سابقة. الكيان الاحتلالي، مدركاً هذا التواطؤ العالمي، يتجرأ أكثر فأكثر، حتى أنه يستهدف مؤسسات الأمم المتحدة كـ “الأونروا”، ليبعد أي شاهد دولي على جرائمه. والدول الكبرى، بمواقفها المزدوجة، تتحول من دورها المستقل المفترض إلى شريك في الجريمة عبر توفير الغطاء السياسي والعسكري.
في مواجهة هذه العاصفة، تظهر إشارات مقاومة واعية: كنائس فلسطين ترفض محاولات استغلال الدين تحت مسمى “الصهيونية المسيحية”، بينما يحذّر مفتي عُمان من الوعود الكاذبة. ومن اليمن، تخرج ندوات فكرية وحملات تضامن تؤكد أن هذه المعركة ليست معركة فلسطين وحدها، بل هي معركة إنسانية وقيمية مصيرية.
الخلاصة واضحة وقد أكدناها مراراً: ما يحدث هو اختبار حقيقي لضمير البشرية. إنه تحدٍ أمام كل إنسان حرّ ليقرر: إما أن يقف مع الأخلاق والقانون والعدالة والإنسانية، أو يصمت أمام منطق القوة والاستعمار والإبادة. النضال من أجل فلسطين هو نضال من أجل إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية المشتركة، ومن أجل مستقبل لا يسوده قانون الغاب.
وهنا يقع على عاتق العلماء واجب شرعي وأخلاقي يتمثل أولاً وأساساً في حماية هوية القضية الفلسطينية. ففلسطين ليست أرضاً فحسب، بل هي “قضية إيمان وكرامة لكل مسلم وعدالة لكل إنسان”، فهل تكون لهم كلمتهم التي تتجاوز الخلافات الفرعية وتجمع الأمة على الموقف الشرعي الثابت في مقاومة عدوان الاحتلال ؟
مستمرون حتى العودة، وهي حقّ بإذن الله، كما كان حقاً قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.



