مقالات

غزة.. هل يُحوِّل العدو هزيمة الميدان إلى نصرٍ ناعم؟

بقلم الشيخ محمد الناوي

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)

عامان وزيادة على طوفان الأقصى، استخدم العدو فيهما أقصى طاقته التدميرية ليُحوِّل غزة إلى ركام، لكنه فشل في كسر إرادة أهلها العظام في المقاومة والصمود. ولو استطاع أن يحقق أهدافه بقوة السلاح، لما لجأ إلى أسلوب الحوار؛ لأن طبعه الهمجي والدموي كان ملازمًا له طيلة تاريخه.

هذه الفئة المارقة على ربها وعلى خلقه تحمل عقدة نفسية كبيرة تدفعها نحو استعباد الخلق أجمعين، وجعلهم في خدمة «العنصر الأسمى» حسب معتقدهم التلمودي المزيَّف. وعليه، فالتحوُّل من حرب الاستئصال الصلب إلى الاستئصال الناعم ضرورةٌ أجبرتهم عليها غايتهم الخبيثة، وهم فئة لا تعرف الاستسلام، حتى ولو أحرقوا كلَّ العالم.

ومن هنا، وبسبب عجزه عن هزيمة المقاومة في الميدان، لجأ إلى هزيمتها في الإدراك العام للفلسطينيين والمسلمين، ولدى كل من يحمل نفسًا إنسانية في العالم. ولأجل ذلك يعمل جاهدًا على فصل المقاومة عن الحاضنة الشعبية في الداخل والخارج، وهذا هو التعريف الحقيقي للحرب الناعمة.

هذا العدو استبدل بندقية الميدان ببندقية الإعلام، واستبدل ألوِيته العسكرية بالأقلام المأجورة، والميدان عنده هو تحريف الحقائق وتزويرها. إعلامٌ يُزيِّن الباطل بأساليب المكر والخداع، ويُجيد تبرير الخيانة، ويقلب الثبات والصمود إلى «تطرّف»، وينسب أسباب الخراب الحاصل إلى المقاومة، عبر روايات جُنِّد لها عشرات القنوات وآلاف الصفحات، وحتى المنابر الدينية من داخل مساجدنا.

وفي ذكرى الإسراء والمعراج، وبدل أن تُفتح قلوب المسلمين باتجاه قبلتهم الأولى ونحو وحدتهم لتثبيت قوتهم وتحقيق عزّتهم، وتُفتح الحدود لإيصال المساعدات إلى أهلنا في غزة، تقف أمة الإسلام عاجزة أمام عواصف التفرقة لتذهب ريحها، وليستفرد العدو بنا واحدًا تلو الآخر. والأنكى أن ينتظر المسلم سقوط أخيه المسلم بيد عدوهم المشترك، اعتقادًا منه أن في سقوط أخيه انتصارًا له وللدين، وهو بسبب هذا التبلّد في الفكر يغفل عن حقيقة قرآنية:

﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).

إن العدو، وبعد فشله في تركيع المقاومة والشعب في عدوانه الأخير على غزة، وبسبب انقلاب الرأي العام الدولي على روايته المزيَّفة، نجده يستبدل أسلوبه عبر أبواقه المأجورة وبعض العناصر المجرمة لخلق فتن داخلية، سواء في غزة أو في المنطقة. وهو يدرك تمامًا أن فتيل الفتنة متى اشتعل، فسوف يجعله يعيش الأريحية، ويساعده على إعادة بناء الثقة لدى المستوطنين الذين باتوا يفكرون في مغادرة أرض ليست بأرضهم، بعد أن اكتشفوا أن معركتهم في الحقيقة هي مع شعوب المنطقة، وليس مع أنظمتها.

لقد صدق أحد أعلام الأمة حين وصف الأوضاع الصعبة في غزة نتيجة المنخفض الجوي بقوله: إن الأمة نفسها تعاني منخفضًا أخلاقيًا ودينيًا بسبب خذلانها الكبير لقضيتها الأولى. وبالتالي، فعلى الأمة أن تستيقظ من غفلتها، وأن تدرك أن صلاتها وحجها لن يشفعا لها هذا الخذلان، وأن عدم الوقوف إلى جانب المظلوم يُعد ظلمًا لنفسها سيحاسبها الله عنه:

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى