مقالات

التطبيع مع الفرعون

يقال: إنَّ كل حكومة تتشكّل تحت مظلة احتلال هي أداة رخيصة في يد المحتلّ، ولا قيمة وطنية لها، ما دام الاحتلال قائماً.

ينطبق هذا القول على حكومات عديدة نشأت في أوربا تحت الاحتلال النازي، وعلى حكومات أنشأتها بريطانيا وفرنسا وغيرها من الأنظمة الاستعمارية في العديد من الدول خلال القرن الماضي.

لكن الفرق بين تلك الأنظمة الاستعمارية وبين الكيان الغاصب أنَّ تلك الأنظمة كانت تترك لعملائها المحليين هامشاً يتحركون فيه في المسائل التي لا تمسّ جوهر مصالحهم؛ وأمَّا الكيان الغاصب فلا يتورع عن تعمّد إذلال عملائه وإهانتهم شخصياً أمام مواطنيهم، بعد أن قام بترويضهم بالمصالح الرخيصة وفُتات الأموال المسروقة من خيرات بلدهم أصلاً.

هؤلاء طبّعوا أنفسهم مع فرعون سرطاني يعيش على الدماء البريئة، ولن يتوانى عن امتصاص دمائهم بعد أن يستنزف ما لديهم؛ وكذلك يفعل مع الدول التي قامت بالتطبيع معه، وتلك التي تخطط لهذا التطبيع مستقبلاً، وتمهّد له بتصريحات ولقاءات سرية وعلنية على مستويات مختلفة.

وعندما يبرّر هؤلاء المطبّعون خطواتهم بتحصيل مكاسب للقضية الفلسطينية، أو بتحقيق مصالح لبلدانهم، فإنما يحاولون جني الثمر من السحاب، أو استنباط المياه من السراب؛ والتاريخ القريب يشهد بأن الولايات المتحدة والكيان الغاصب لن يقدما أي تنازلات، ولن يسمحا بتطوير أي قدرات عسكرية أو اقتصادية أو غيرها لأي بلد في مقابل التطبيع مع الكيان الغاصب، وليس الحديث في هذه الأمور إلا لذرّ الرماد في العيون، حتى إذا سقطت الدول في حمأة التطبيع نُسِيَ كل شيء، وأصبحت رقبتها تحت مقصلة الجزار الصهيوني.

وأما الحديث عن السَّلام فينبغي أن نفهمه في ضوء مدلول كلمة (السلام) في المعجم السياسي والعسكري الصهيوني، وهو مدلول لا يشمل بأي حال مفهوم السلام لدى عموم الناس، ولا يعني إلا استسلام الآخرين للتبعية الصهيونية دون قيد أو شرط.

وكذلك الحديث عن (حلّ عادل) للقضية الفلسطينية، الذي لا يعني إلا تصفية حقوق الشعب الفلسطيني، بل وتصفية هذا الشعب نفسه، ومحوَه من الوجود، وإذابته ضمن البلدان التي تمّ تهجيره إليها.

وقد كتب أحد الباحثين المتخصصين يوم أمس مؤكداً (أن لا حكومة نتن ياهو الحالية ولا أية حكومة إسرائيلية قادمة، يمينية أم غير يمينية، لديها الرغبة في ايجاد حلول مستدامة للقضية الفلسطينية “إنهاء الاحتلال”، وإنما هم يسعون لحلول ترقيعية، يحافظون من خلالها على كيانهم وعلى استمرار الاحتلال لكل فلسطين، من خلال ما يطلقون عليه: السلام الاقتصادي).

إنّ استمرار بعض الدول في مشروع التطبيع مع الكيان الغاصب يدلّ في أحسن الأحوال على غباء وجهل بحقيقة هذا الكيان، التي هي حقيقة معلنة وغير مواربة؛ فإن لم تكونوا مؤمنين بالحقّ الذي يدافع عنه الفلسطينيون ومن معهم، فلا أقل من أن تكونوا أحراراً تدافعون عن أنفسكم وبلدانكم في وجه هذا السرطان الفرعوني.

ولن يكون هذا التطبيع بأي حال من الأحوال عاملاً يسهم في تشجيع الكيان على وقف توحشه المتزايد ضد الفلسطينيين، ولا على تأخير مشروعه للاستيلاء على المسجد الأقصى، ولا على تخفيف عملياته العسكرية ضد المخيمات والمدن الفلسطينية؛ ولا حتى على وقف عملياته الأمنية والاستخبارية ضد مصالح الدول التي تطبّع معه !

كما لن يؤدي هذا التطبيع إلى إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن حقوقهم، ولا التنازل عن شبر واحد من أرضهم، ولا كسر إرادتهم في المقاومة حتى زوال هذا الكيان الطارئ والغريب والسامّ.

بقلم الشيخ محمد أديب ياسرجي
أمين سر الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى