الطمأنينة في زمن الحرب بين الغيب والمسؤولية
بقلم الشيخ يوسف عباس
قبل نشوب الحرب، كان السؤال الذي يدور في البيوت والمجالس والهواتف والشاشات: هل ستقع الحرب؟
ثم لما وقعت، لم يتوقف السؤال، بل تغيّر شكله: هل سننتصر أم سننهزم؟ إلى أين تسير الأمور؟ متى تنتهي المعركة؟ ماذا ينتظرنا؟ ماذا عن البلد؟ ماذا عن أولادنا؟ ماذا عن المستقبل؟
وفي الحقيقة، هذه الأسئلة كلها ليست مجرد أسئلة سياسية أو عسكرية، بل هي في جوهرها أسئلة قلبٍ يبحث عن الطمأنينة. فالناس لا تريد خبرًا فقط، بل تريد ما هو أعمق من الخبر: تريد أمانًا، وسكينة، وشيئًا يربط على قلبها وهي ترى الحاضر مضطربًا، والواقع مثقلًا، والمستقبل مفتوحًا على احتمالات كثيرة.
الغيب ليس بيدنا… وهذه ليست ثغرة في الحياة بل جزء من معناها
هنا ينبغي أن ننتبه إلى حقيقة قرآنية كبرى: نحن لا نملك الغيب.
قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله: ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ الأنعام: 50
وقال سبحانه: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف: 188
هاتان الآيتان تخبراننا بوضوح أن معرفة الغيب ليست في متناول البشر، وأن الإنسان لن يستطيع أن يحيط بما وراء الحاضر من تفاصيل الغد. فإذا كان خير خلق الله صلى الله عليه وآله يعلن أن الغيب ليس له، ولا يملك أن يكشف ما خفي إلا ما شاء الله، فكيف بنا نحن؟ وكيف نطلب الطمأنينة من بابٍ لم يُفتح لنا أصلًا؟
جهلنا بالغيب جزء من سنة الابتلاء
بل أكثر من ذلك: عدم قدرتنا على معرفة الغيب ليس نقصًا في بناء الحياة، ولا خللًا في نظامها، بل هو جزء من الحكمة التي خلق الله الحياة عليها أصلًا. فالحياة في القرآن دار ابتلاء، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الملك: 2
ويقول سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الأنبياء: 35
ولو كان الإنسان عالمًا بكل ما سيحصل، مكشوفًا له ما سيأتي من نصر أو هزيمة، ومن ضيق أو فرج، لفقد الابتلاء كثيرًا من معناه. أين يكون الصبر حينئذ؟ وأين يكون التوكل؟ وأين يظهر صدق الثبات؟ وأين يتجلى معنى الإيمان بالغيب؟ إن ستر الغيب عن الإنسان ليس حرمانًا، بل جزء من ميدان الامتحان الذي يُطلب فيه من العبد أن يحسن العمل، وأن يثبت، وأن يخلِص لله من غير أن تُكشف له كل التفاصيل.
ومن هنا نفهم أن الله لم يطلب منا معرفة الغيب، ولم يمكّننا منه، وأن كل محاولة لاقتحام هذا الباب ستبقى عاجزة عن أن توصلنا إلى شيء قطعي.
والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ لقمان: 34
كيف يحاول الناس الوصول إلى الغيب؟
والإنسان يظلّ يسعى إلى معرفة المستقبل، ولا سيما حين يشتدّ الخوف ويزداد القلق على المصير. وعندئذٍ يبدأ بالبحث عن وسائل تمنحه قدرًا من التفسير، وتقرّبه من فهم ما سيحصل. ومن أبرز تلك الوسائل:
الطريقة الأولى: التحليل حين يتحول من أداة فهم إلى استنزاف دائم
من أكثر ما يلجأ إليه الناس في أوقات القلق الإفراط في متابعة التحليلات السياسية. فيتنقل الواحد منهم طوال اليوم بين الشاشات والمقاطع والتصريحات، على أمل أن يصل إلى فهم واضح لما سيجري. لكن الذي يحدث غالبًا هو العكس؛ إذ تتراكم عليه التفسيرات المتضاربة، وتزداد أمامه الاحتمالات، فيخرج بمزيد من الحيرة. ثم لا يكتفي بعض الناس بالمتابعة، بل يبدأ بترداد ما يسمعه، والدخول في جدال، ونقل توقعات لا تقوم على علم ثابت.
ولا إشكال في الرجوع إلى أهل الخبرة لفهم الواقع، بل هذا مطلوب في حدّه الصحيح. إنما الإشكال في تحويل التحليل إلى متابعة مستمرة تستنزف العقل والقلب، وتربط الإنسان بحالة دائمة من الترقب والقلق. فعندئذٍ لا تصبح المتابعة وسيلة للفهم، بل سببًا في زيادة الاضطراب، وإشغال النفس بما لا يورثها إلا مزيدًا من الظن والتوتر.
الطريقة الثانية: المتنبئون والمشعوذون
ومن الناس من يلجأ إلى باب آخر أشد خطرًا، هو باب المشعوذين، سواء في صورتهم التقليدية المعروفة، أو في صورتهم الحديثة التي تظهر عبر الشاشات والمنصات بلباس معاصر، ولغة واثقة، وحضور إعلامي واسع. والفرق بين الصورتين هو في الشكل لا في الحقيقة؛ فهؤلاء جميعًا يقدّمون التخمين والاحتمال على أنهما معرفة، ويوحون للناس بأن لديهم قدرة على كشف ما سيقع أو قراءة ما وراء الأحداث.
ويقوم خطابهم في الغالب على عبارات فضفاضة، وتوقعات تحتمل أكثر من وجه، بحيث يمكن حملها على وقائع متعددة. فإذا وافق بعضها شيئًا من الواقع جرى تضخيمه وتداوله، وغاب عن الأذهان ما أخطؤوا فيه من تقديرات كثيرة.
وهذا الباب لا يقوم على علم منضبط، بل على استغلال خوف الناس وقلقهم، والاتجار بحاجتهم النفسية إلى معرفة ما سيأتي. وما يزيده خطرًا أن هذا الوهم لم يعد يُعرض دائمًا في صورة خرافة مكشوفة، بل كثيرًا ما يُقدَّم في قالب حديث يوهم بعض الناس أنه أقرب إلى المعرفة، مع أنه في حقيقته لا يورِّث إلا مزيدًا من التعلق بالأوهام والارتهان لمن يبيعونها.
الطريقة الثالثة: إسقاط الروايات الدينية على كل حدث
وثمّة مسلك ثالث يتلبّس بلباس التديّن، وهو الإفراط في إسقاط روايات آخر الزمان على كل أزمة أو حرب أو اضطراب. ومع الوقت يتحول هذا الباب عند بعض الناس إلى انشغال دائم يستهلك الوعي والوقت، من غير منهج علمي منضبط، ولا تدقيق في النصوص، ولا تمييز بين الصحيح والضعيف، ولا بين القطعي والظني.
وليس المقصود هنا رفض البحث في الروايات أو التقليل من شأنه، فهذا باب له مكانته وأهميته، ولكن الإشكال في التعامل معه بلا ضوابط علميَّة، وفي تحويله من باب علمي يحتاج إلى تحقيق وفهم وجمع بين النصوص، إلى باب مفتوح للتعجل والإسقاط. وعندئذٍ تصبح كل حادثة علامة، وكل تطور دليلًا، وكل أزمة مدخلًا إلى توقيتات وتفسيرات لا تقوم على أساس متين.
ثم إن الأحداث الكبرى إذا وقعت، لم تبقَ معلقة على الظنون والتكهنات، بل جاءت معها من الشواهد والقرائن الواضحة ما يرفع الالتباس، ويكشف حقيقتها، ويقيم الحجة بها حتى على من لم يكن قد سمع عنها من قبل.
الطريقة الرابعة: المنامات والكشف والتجارب الخاصة
ومن الناس من يتوسع في الاعتماد على المنامات، والتجارب الخاصة، وما يعبَّر عنه أحيانًا بالكشف أو الشهود أو الإلهام، فيحمّلها ما لا تحتمل، ويجعل منها مدخلًا إلى تفسير الأحداث، أو ترجيح المواقف، أو قراءة ما ينتظر الأمة. ومع أن هذا الباب قد يكون له أثره الشخصي في حياة بعض الأفراد، إلا أنه لا يخرج في أحسن أحواله عن كونه أمرًا فرديًا، لا يصح أن يتحول إلى حجة عامة، ولا إلى أساس تُبنى عليه المواقف الكبرى، ولا إلى مرجع يُفسَّر به الواقع العام.
فالرؤيا الصالحة قد تكون بشارةً أو تذكيرًا أو تثبيتًا لصاحبها، لكن هذا لا يجعل منها مصدرًا للمعرفة العامة. وكذلك ما يمرّ به بعض الناس من تجارب خاصة، أو ما يعبّرون عنه بالكشف والشهود، لا ينهض في نفسه ليكون ميزانًا تُقرأ به قضايا الأمة وتحولاتها. فهذه الأبواب يختلط فيها الصدق بالوهم، والذاتي بالموضوعي، فلا يجوز أن تُعمَّم على الناس، ولا أن تُتخذ طريقًا لاستشراف الأحداث ومعرفة مآلاتها.
الطريق الأقوم إلى الطمأنينة
غير أن انغلاق هذه الأبواب لا يعني أن الإنسان تُرك بلا هداية، ولا أن الطريق إلى الطمأنينة قد أُغلق في وجهه. فالله سبحانه حين لم يجعل له سبيلًا إلى معرفة الغيب، لم يتركه في ظلمة الحيرة، بل هداه إلى ما هو أنفع له وأقوم في حياته، فربطه بالوحي الذي يبصّره، وبذكْره الذي يثبّت قلبه. ولذلك لم يعلّق القرآن سكينة الإنسان على معرفة النتائج، ولا على كشف ما سيأتي، بل وجّهه إلى أسباب أعمق وأثبت تتحقق بها الطمأنينة في أوقات الخوف والاضطراب. ومن خلال تدبر القرآن الكريم يمكن الوقوف على عدد من المعاني والأسباب التي تعين على ذلك، من أبرزها:
أولًا: بذكر الله تطمئن القلوب
يربط القرآن طمأنينة القلب بذكر الله، لا لأن الذكر يغيّر الواقع الخارجي فورًا، بل لأنه يغيّر موقع الإنسان من ذلك الواقع، ويمنحه سكينة وثباتًا وقدرة على الاحتمال. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28
والطمأنينة هنا ليست مجرد سكينة مؤقتة، بل سكون يردّ القلب إلى الثبات بعد اضطرابه. فالآية لا تعِد برفع كل أسباب القلق، وإنما ترشد إلى ما يحفظ القلب من التزعزع أمام التحديات والجهل بالمآلات.
وذكر الله في هذا المقام لا يُراد به مجرد تحريك اللسان بالألفاظ، مع أن ذلك من أعظم أبوابه، وإنما يراد به أن يكون الله حاضرًا في وعي الإنسان وقلبه، وفي نظرته إلى ما يجري، وفي فهمه للشدائد، وفي طريقته في التعامل مع الخوف والرجاء. فإذا استحضر العبد ربَّه، واستحضر قدرته وحكمته ورحمته وتدبيره، ثبت قلبه واطمئن.
ومن ذكر الله أيضًا الرجوع إلى القرآن الكريم، لأنه الذكر الذي أنزله الله هداية للناس، وبه تتغذى القلوب على المعنى الصحيح، لا على الظنون والاحتمالات. فالقرآن لا يمنح الإنسان مجرد عزاء وجداني، بل يمنحه رؤية متكاملة للحياة، ويعلّمه كيف يقرأ سنن الله في الشدة والفرج، والنصر والابتلاء، والتأخير والتمكين. ولذلك كان الرجوع إلى القرآن من أعظم أسباب الطمأنينة، لأنه ينقل الإنسان من الجهل إلى البصيرة، ومن الاستسلام للخوف إلى الثبات على الهدى.
وعلى هذا، فإن ذكر الله الذي تطمئن به القلوب يشمل حضور الله في القلب، والرجوع إلى هدايته في الوحي. فإذا استقام هذا المعنى في النفس، لم تعد الطمأنينة متوقفة على تغيّر الظروف، بل صارت ثمرة صلة صحيحة بالله، وثقة به، واستضاءة بكلامه.
ثانيًا: قراءة التاريخ باب من أبواب الطمأنينة
ومن هدي القرآن الكريم أيضًا أنَّ على الإنسان في أوقات الشدة أن لا يحبس نظره في اللحظة التي يعيشها، بل أن يقرأ الوقائع ضمن سنن الله الجارية في التاريخ، حتى لا تتضخم الأزمة في نفسه، ولا يظن أن ما يمرّ به أمرٌ غير مسبوق ولا مخرج منه. وحين ينظر الإنسان من هذا الأفق، يدرك أن طغاة كثيرين بدوا في لحظة من اللحظات أقوياء لا يُغلبون، ثم سقطوا، وأن جماعات بدت مستضعفة ومحاصرة، ثم جعل الله لها بعد الضيق فرجًا وبعد العسر مخرجًا. ومن هنا فإن قراءة التاريخ على ضوء القرآن ليست زيادة في المعلومات، بل سبب من أسباب الثبات وطمأنينة القلب.
فالقرآن إنّما يذكر القصص ليعلّم الإنسان كيف يفهم سنن الله في الوقائع والأحداث. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يوسف: 111
فالعبرة التي يريدها القرآن ليست مجرد تذكّر ما وقع، بل العبور من ظاهر الحادثة إلى ما تكشفه من سنن ودلالات، ثم الإفادة من ذلك في فهم الحاضر والتعامل مع المستقبل على بصيرة. ولهذا ذكر القرآن الكريم نماذج متعددة من قصص الأنبياء والأمم، لما فيها من تثبيت للقلوب، وتقوية للإيمان، وتصحيح للنظر إلى الشدائد والمآلات.
موسى عليه السلام بين البحر وفرعون
وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في قصة موسى عليه السلام عند البحر. فالمشهد في ظاهره كان مشهد انسداد كامل، البحر أمام القوم، وفرعون وراءهم، حتى قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ الشعراء: 61
وكان جواب موسى عليه السلام: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ الشعراء: 62
وهنا تتجلّى قيمة الرؤية الإيمانية في صناعة الطمأنينة. فموسى عليه السلام لم يتحدث عن كيفية النجاة من البحر وفرعون، بل كان يستند إلى يقينٍ أرسخ من ذلك، وهو أن معية الله لا تتخلّف في ساعة الشدة، وأن انسداد الأسباب في ظاهر اللحظة لا يعني انسداد الفرج عند الله.
يوسف عليه السلام.. عناءٌ يستبطن لطفًا
وفي قصة يوسف عليه السلام يظهر هذا المعنى من زاوية أخرى؛ فمشاهد الجبّ، والافتراء، والسجن، إذا نُظر إليها متفرقةً بدت كأنها سلسلة من الانكسارات والعوائق، لكن القصة في تمامها تكشف أن ذلك كله كان يجري تحت تدبير الله ولطفه. ولهذا قال يوسف عليه السلام في ختام المسير: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ يوسف: 100، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يوسف: 56. وهكذا يتبين أن ما يبدو في ظاهره محنةً أو تأخرًا قد يكون في باطنه تهيئةً وتمكينًا.
ثالثًا: فلنكفّ عن الجدال فيما لا نعلم
ومن الهدي القرآني أيضًا أن جانبًا من اضطراب الناس في أوقات الأزمات ينشأ من انشغالهم بما لا يعلمون، ويخوضون فيما لا يملكون أدواته، ويتداولون ما لم يتثبتوا منه، فتكثر الإشاعات، ويتحول القلق من شعور فردي إلى مناخ عام يرهق القلوب ويشوّش العقول.
ولهذا يضع القرآن ميزانًا واضحًا في هذا الباب، فيقول: ﴿هَاأَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ آل عمران: 66
ومع أن الآية وردت في سياق مخصوص، فإن دلالتها تتجاوز ذلك إلى أصل تربوي عام، وهو أن الكلام ينبغي أن يقف عند حدود العلم، وألا يتحول الجهل إلى جرأة، ولا الظن إلى يقين، ولا الوهم إلى معرفة يتداولها الناس.
ويؤكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النساء: 83
وهذه الآية من أبلغ ما يوجّه الناس في أزمنة الاضطراب؛ إذ قد يصلهم خبر أو تحليل أو توقع، فيبادرون إلى نشره وتداوله، قبل أن يُعرف وجهه، أو يُردّ إلى من يحسن النظر فيه. وليس المذموم هنا أصل الخوف، فإنه شعور بشري لا ينفك عنه الإنسان، وإنما المذموم أن يتحول هذا الخوف إلى إذاعة غير منضبطة، وإلى تداول يوسّع دائرة القلق.
رابعًا: العودة إلى أداء الواجب
ومن الهدي القرآني أيضًا أن الإنسان لا يُطلب منه ما ليس في وسعه، ولا يُسأل عمّا حجبه الله عنه، وإنما يُسأل عمّا جعله في دائرة قدرته ومسؤوليته. فالله سبحانه لن يسأل الناس لماذا لم يعرفوا الغيب، ولا لماذا لم يحيطوا بكل ما يجري، ولا لماذا لم يملكوا توجيه مجرى الأحداث كما يشتهون، ولكنه سيسألهم عمّا أطاقوه وكُلِّفوا به، وعمَّا فعلوا بما كان في أيديهم، وكيف أدّوا ما كُلّفوا به، وكيف ثبتوا وبذلوا وحفظوا أنفسهم وأهلهم ومواقفهم من الانهيار والاضطراب.
ولهذا يردّ القرآن الإنسان دائمًا إلى حدود التكليف الواقعي، لا إلى ما هو خارج قدرته. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ البقرة: 286
وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن: 16
وقال عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ الأنفال: 60
وهذه الآيات جميعًا تنقل الإنسان من دائرة العجز عمّا لا يملك إلى دائرة العمل بما يملك. وهو منشأٌ من مناشئ الطمأنينة؛ لأن النفس تضطرب حين تبقى مشدودة إلى ما لا تستطيع، وتهدأ حين تعرف ما الذي يجب عليها أن تفعله وتمضي فيه.
المسؤوليات في زمن الحرب
وبعد ما تقدّم، لا يكتفي القرآن الكريم ببيان موضع الطمأنينة، بل يوجّه الإنسان أيضًا إلى ما ينبغي أن ينهض به من مسؤوليات عملية في أوقات الشدة. ويمكن التركيز هنا على أربع مسؤوليات أساسية:
المستوى الأول: الصبر الجميل
أول ما يحتاجه الإنسان في زمن الحرب والقلق هو الصبر، لكن القرآن لا يكتفي بالأمر بالصبر على وجه الإطلاق، بل يوجّه إلى مرتبة أرفع، هي الصبر الجميل.
قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يوسف: 18
وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ المعارج: 5
وهذا التعبير يكشف أن المطلوب ليس مجرد تحمّل الألم، بل نوع مخصوص من الصبر. فالصبر الجميل هو الصبر الذي لا يتحول معه البلاء إلى اعتراض على الله، ولا تنفلت معه النفس إلى السخط والانهيار، بل يبقى معه القلب ثابتًا، واللسان منضبطًا، والعبد قائمًا في موقعه، مدركًا أن الشدة امتحان يتطلب الثبات.
ومن أروع ما يجسّد هذا المعنى في تاريخنا موقف السيدة زينب عليها السلام بعد كربلاء، حين سألها ابن زياد: كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟ فقالت: «ما رأيتُ إلا جميلًا». فهي لم تنكر فداحة المصيبة، ولم تنفِ ما فيها من ألم، لكنها نظرت إليها من أفقٍ أعلى من ظاهر المشهد، فرأت في ثبات الحسين عليه السلام وأصحابه، وفي وفائهم لله، جمالًا يتجاوز قسوة المأساة نفسها.
وقد أشار القرآن إلى أن الخوف والجوع والنقص سنن من سنن الابتلاء، وأن موضع البشارة هو الصبر لا مجرد التألم، فقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة: 155
المستوى الثاني: الدعاء
ويأتي الدعاء في الهدي القرآني بوصفه سببًا مؤثرًا من أسباب التثبيت والنصر والفرج، ولذلك لا يلجأ إليه المؤمن بوصفه تعويضًا عن الفعل، بل بوصفه من جملة الأسباب التي جعلها الله مؤثرة في حياة عباده. ولهذا جاء في الحديث المشهور: «الدعاء سلاح المؤمن». والسلاح إنما يُتخذ للدفع والحماية والثبات.
وقد قرن القرآن الدعاء بالاستجابة والكشف والنجاة، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ غافر: 60
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: 186
وقال عز وجل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ النمل: 62
فالدعاء، في المنظور القرآني، باب مفتوح بين العبد وربه، وسبب من أسباب العون الإلهي، وتثبيت القلب، وكشف الكرب. ومن هنا ينبغي للمؤمن في زمن الحرب أن ينظر إليه بوصفه سلاحًا فعليًا، ومددًا حقيقيًا، وقوةً يستعين بها على الثبات، ويستمد منها ما يعينه على مواصلة الطريق. ولذلك كان من الواجب أن يُحسن المؤمنون اللجوء إلى هذا السلاح في أوقات الشدة.
المستوى الثالث: الجهاد بالمال
ومن أعظم ما يستطيع الإنسان أن يفعله في زمن الشدة: البذل، والجهاد بالمال.
قال تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ التوبة: 41
فالجهاد بالمال ليس بابًا ثانويًا، بل قد يكون في بعض الأحيان جبهة كاملة بحد ذاته؛ إسنادًا، وإغاثةً، وتثبيتًا، ورعايةً للأسر، وحفظًا للمجتمع من الانهيار والتصدع.
واللافت أن القرآن في أكثر من موضع قدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ التوبة: 20
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الحجرات: 15
ومن هنا كان الجهاد بالمال ركنًا أساسيًا في حمل الأعباء، وحفظ الجبهات، وإسناد الثابتين، وصيانة المجتمع من التآكل الداخلي، بما يجعل مشاركة المؤمن بماله، على قدر استطاعته، جزءًا من مسؤوليته في زمن الشدة.
المستوى الرابع: جهاد التبيين
ومن أهم ما ينبغي النهوض به في زمن الشدة جهادُ التبيين، أي بيانُ الحقائق، وكشفُ مواضع الالتباس، وتثبيتُ الناس على الفهم الصحيح، ومواجهةُ التضليل والإرجاف وقلبِ المفاهيم. وهذا داخلٌ في القيام بالقسط والشهادة لله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ النساء: 135
فالمعارك اليوم لا تجري في الميدان وحده، بل تمتد إلى الوعي، وإلى طريقة فهم الأحداث وتفسيرها. ولهذا قد تكون الكلمة المضلِّلة، أو الرواية المشوِّشة، أو السكوت في موضع البيان، سببًا في تشويش الناس، وإضعاف معنوياتهم، وخلط الحق بالباطل.
ولذلك أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يبيّنوا الحق ولا يكتموه، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ آل عمران: 187. ولم يقف الأمر عند مجرد إظهار الحق، بل شمل أيضًا منعَ خلطه بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 42
وعلى هذا، فإن القادرين على التبيين، والكتابة، والخطاب، والإعلام، وصناعة المحتوى، تقع عليهم مسؤوليةٌ واضحة، ولا سيما في أوقات الحروب والفتن. ومن هنا تبرز أهمية الإفادة من وسائل التواصل وسائر المنابر الإعلامية على نحوٍ مسؤول، حتى تكون الكلمة أداةَ وعيٍ وتثبيت، لا وسيلةَ تشويشٍ وإرجاف، وحتى تكون المشاركة في هذا الميدان قائمةً على البصيرة، لا على الانفعال والاستعجال.
وهكذا يتبين أن القرآن الكريم لا يوجّه المؤمن في زمن الشدة إلى الانشغال بما خفي عنه، بقدر ما يوجّهه إلى ما يجب عليه. فالصبر الجميل يحفظ تماسكه، والدعاء يمدّه بالقوة والثبات، والجهاد بالمال يجعله شريكًا في حمل الأعباء، وجهاد التبيين يصون الوعي من التضليل والالتباس. وبذلك لا يبقى المؤمن أسير القلق والانتظار، بل يتحول إلى إنسان ثابت، واعٍ، ومسؤول، يعرف ما الذي ينبغي عليه أن يفعله، ويمضي فيه على بصيرة.
وفي المحصلة، فإن الطمأنينة التي يوجّه إليها القرآن الكريم لا تقوم على اقتحام الغيب، ولا على ملاحقة ما خفي من المآلات، بل على الرجوع إلى الله، والاستضاءة بوحيه، وفهم سننه، والوقوف عند حدود ما نعلم، ثم النهوض بما كُلِّفنا به. فحين يفهم الإنسان أن الغيب ليس بيده، وأن الهداية بيد الله، وأن عليه أن يثبت ويعمل ضمن ما يقدر عليه، يخرج من دوائر الحيرة المرهقة إلى أرضٍ أصلب من السكينة والبصيرة.
ومن هنا، فإن السؤال الأقوم في زمن الحرب ليس: ماذا سيحدث غدًا؟ بل: كيف نثبت على الحق، وكيف نؤدي ما علينا، وكيف نلقى الله وقد قمنا بمسؤوليتنا. وهنا يبدأ طريق الطمأنينة الحقيقي؛ لا من امتلاك المستقبل، بل من حسن الصلة بالله، وحسن فهم الواقع، وحسن أداء المسؤولية.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ الطلاق: 3



