مقالات

على عربة حمار.. هربًا من الموت

في حي الزيتون الشرقي لمدينة غزة؛ حيث تلتقي رائحة الركام مع غبار المدفعية والصواريخ ، يعيش حيدر حمّاد عرفات؛ رجل خمسيني يحمل على كتفيه أعباءً أثقل من سنوات عمره. هو أبٌ لأسرة كبيرة، ونازح داخل وطنه، وأحد آلاف المكلومين الذين غيرت الحرب ملامح حياتهم بالكامل.

لم يكن حيدر يتخيل يومًا أن طريقه سيتحول إلى رحلة طويلة من البحث عن الحياة، وأنه سيجد نفسه في كل مرة يهرب من الموت، دافعًا عربة حمار يجلس فوقها أطفاله المرضى، فيجرها خوفًا ويقينًا في آن واحد.

يتخذ حيدر اليوم مكانًا موقتًا لبيته الذي فقده بين جدران مدرسة تأوي مئات النازحين؛ إذ يفتقر المكان لكل ما يمكن أن يخفف من وطأة المرض أو يحمي أجساد الأطفال الهشّة. فلا كهرباء مستقرة، ولا مرافق نظيفة، ولا دواء يليق بحالات تحتاج إلى رعاية دقيقة. ومع ذلك، فهو يحاول أن يشكل من العدم ما يمكن أن يسند حياة عشرة أبناء، اثنان منهم يواجهان أمراضًا معقّدة تتطلب علاجًا مستمرًا.

يقول بصوت متعب يحاول المحافظة على تماسكه: “أنا أب لاثني عشر فردًا. فقدتُ اثنين منهم في الحرب، وبقي لي عشرة. بينهم اثنان من ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون هشاشة عظام حادة وتشوهات خلقية، وأحدهم مصاب بالسرطان. أجسادهم صغيرة كأنها لأطفال، على الرغم من أعمارهم”.

نزوح لا ينتهي

منذ اندلاع حرب 2023، تنقّلت العائلة بين شمال القطاع وجنوبه. لكل رحلة نزوح قصة ألم وحيرة، ولكل محطة خوفها وتعبها.

يتذكر حيدر لحظة اضطراره إلى مغادرة منزله في الزيتون، عندما صدر أمر الإخلاء المفاجئ. لم يكن لديه وقت للتفكير ولا القدرة على توفير وسيلة نقل آمنة.

يقول: “رمينا بأنفسنا على الطريق بعد أن طالبونا بالخروج فورًا. لم أملك ثمن المواصلات. تمسكتُ بعربة حمار، وحملتُ ابني المريض على يدي، ودفعتُ العربة بقلبي قبل ذراعيّ. لا أعرف كيف نجوْنا”.

لم تكن العربة مجرد وسيلة نقل، بل أيضًا تحوّلت إلى رمز لصراع البقاء لعائلة تفتقر إلى كل ما يدعم استمرارها. فإن طفلاه المريضان يحتاجان إلى حليب طبي خاص، وفراشٍ مخصص لحالات الهشاشة، وحفاضات، وأجهزة تنفس، ووحدات دم، وأدوية باهظة الثمن.

أب يواجه العالم وحده

في تفاصيل حياته اليومية ما يكفي ليكتب فصلًا جديدًا من فصول المأساة الإنسانية في غزة. فعلى الرغم من أن النزوح رافقه منذ الأشهر الأولى للحرب، فإن وجود طفل مصاب بالسرطان، وآخرين يعانون هشاشة شديدة وتشوهات خلقية، يجعل حياته أشبه بممر طويل من الاختبارات المؤلمة.

لا يتوقف عن مراقبة أنفاسهم، ولا عن البحث يوميًا عن دواء مفقود أو حليب خاص يمكن أن يساعد أحدهم على تجاوز يوم إضافي.

نداء أبٍ مُتعَب.. وأمل أخير

يختتم حيدر حديثه بنداء يحمل في داخله رجاءً موجوعًا: “أناشد كل مَن له قلب حي أن ينظر إلى معاناة أطفالي وأسرتي. نحن لا نريد رفاهًا، نريد فقط أن نعيش، أن نتنفس، أن نأكل. أصبحت نازحًا في وطني، بلا مأوى، وبلا دخل، وبلا أمل.. لكن ما زلت متمسكاً بالحياة من أجلهم”.

بين عربة الحمار التي تتحول إلى وسيلة نجاة، ورحلة النزوح المستمرة، تبدو حكاية حيدر مرآة لوجعٍ ما زال يتسع في غزة.

هي قصة أب يجر في كل رحلة نزوح ما تبقّى من عالمه، محاولًا أن يحفظ حياة أبنائه في زمن تتساقط فيه أساسيات الحياة واحدة تلو الأُخرى.

نسمة الحرازين – باختصار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى