مقالات

عام جديد، والـ.ـمقاومـ.ـة مستمرة رغم العدوان

ما ترجّل قائد عن صهوة الجهاد في فلسطين، إلا وظنّ العدو أنّه حقَّق إنجازاً وأزاح من طريقه عقبةً تؤرق مضاجع الاحتلال.

استشهد مئات القادة الكبار، منهم عز الدين القسّام وعبد القادر الحسيني وفتحي الشقاقي وخليل الوزير ويحيى عيّاش وأحمد ياسين وأبو علي مصطفى وعباس الموسوي وعماد مغنية وعشرات القادة الآخرين الذي كان كل واحد منهم أمَّة بذاته؛ واعتقد الكيان أنّه وطّد باغتيالهم أركان دولته الغاصبة.

ولكن الأيام سرعان ما أثبتت عكسَ ما ظنَّ المجرمون، وأنّ كيدهم أصبح في تضليل، فخرجت من بعد هؤلاء القادة أجيال من المقاومين، أكثر خبرةً بالعدو، تبني على إنجازات من سبقها من المجاهدين، وتندفع قُدُماً من غير توانٍ نحو الهدف الواحد: تحرير فلسطين.

واليوم، عندما يُقدم العدوّ على اغتيال ثلة من القادة الأبرار، وعلى رأسهم الشيخ المجاهد صالح العاروري؛ فإنَّه لن يلقى من وراء ذلك إلا الندامة والخسران، ولن يجني المؤمنون والأحرار بذلك إلا أسماء جديدة تضاف إلى سجل الخالدين، وعزيمةً متجددة، وقوةً في التمسك بالحق، وإصراراً على طريق ذات الشوكة إلى أن يحقق الله تعالى لهم النصر الموعود.

يمضي الشهيد الصالح سعيداً في الطريق التي اختارها بملء حريته، وهو مطمئن إلى أنّ أمهات فلسطين قد أنجبن خلفاء كثيرين له، وسينجبن مِنْ بعده أيضاً مَن يتابع طريق العزة والكرامة، وقد وعد الله هؤلاء الحسنى:

(فلا تَهِنوا في ابتغاء القوم. إنْ تكونوا تألمون، فإنهم يألمونَ كما تألمون؛ وترجُون منَ الله ما لا يرجُون).

وإذا كان بعض الناس يؤرخون حياتهم بأرقام تدلّ على تعاقب السنين والأيام؛ فإنّنا نؤرخ حياتنا بأسماء الشهداء، وبالأعمال والمنجزات، ولذلك كان ابتداء تاريخنا من الهجرة النبوية التي أسست للأمة الشهيدة الشاهدة، وتتابع هذا التاريخ إلى يومنا هذا، وفي كل عصر كان ينبعث مِن هذه الأمة مَن يجدد لها أمر دينها، وأمرُ ديننا عدلٌ وإحسان، كما نصّ القرآن الكريم، وما الشيخ صالح العاروري وسواه من الشهداء إلا مجدّدون، يعيدون الألق والحيوية إلى روح الأمة، وينفضون عنها غبار الوهن ويكسرون أصفاد التبعية.

وشهادة الشيخ صالح التي فاز بها لم تكن مرهونة بمقتله على أيدي المجرمين وقتلة الأنبياء؛ وإنما نبعت شهادته من حضوره الواعي، وبصيرته النافذة، وعقله الرشيد، وجهاده الواضح ضد أعداء الإنسانية، وأخوّته المخلصة للمؤمنين، ورأفته بأهله وأبناء وطنه، واهتمامه بوحدة الصفّ واجتماع كلمة المجاهدين، وأمره بالعدل، وكفاحه من أجل الحرية؛ وبذلك استحق رتبة الشهادة وهو حيّ، وجاء انتقاله إلى الحياة الباقية، على الصورة التي انتقل بها يوم أمس تأكيداً على جدارته الفائقة بوسام الشهادة الأعلى.

امضِ رشيداً صالحاً أيها الشيخ العزيز؛ وتبسّم لنا من عليائك المنيف، راضياً بما لاقيتَه من النعيم المقيم، فرحاً بما آتاك الله، ومستبشراً بإخوانك وشعبك وأطفال فلسطين ونسائها وشبابها المجاهدين أن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

نعم. لا خوفَ من المستقبل، ولا حزن على ما مضى، بل الخوف والحزن للظالمين المجرمين وأعوانهم والمطبّعين معهم والمتخاذلين عن نصرة غزة والقدس والضفة وسائر فلسطين.

نعم. لا خوف على أهل فلسطين ولا هم يحزنون، فالمقاومة مستمرة رغم العدوان، ولن ينثني المجاهدون عن طريقهم الواضحة.

وأمّا العدوان والإجرام فمصيره إلى زوال، وما كَيدُ الكافرين إلا في ضلال، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

بقلم الشيخ محمد أديب ياسرجي
أمين سر الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى