الأقصى ورمضان

بينما جعل الله تعالى الأرض كلها مسجداً وطهوراً للمؤمنين، فإنَّه اختصَّ بقاعاً خاصة منها فجعل صفة (المسجد) حالَّةً فيها لصيقةً بها، لا يمكن تغييرها ولا العبَث فيها إلى يوم الدّين، فهي مسجدٌ مادامت الأرض موجودة.
والمسجدية المقصودة هنا هي خلوص هذا المكان لعبادة الله وحده، واشتراكُ الناس في حقّ الدخول الآمن إليه للسجود الله، وإظهار الخضوع لأمره بالعدل والإحسان، والنهي عن الفحشاء والمنكر.
ونحن نعتقد أنَّ أول بيت اختصَّه الله بذلك هو المسجد الحرام: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:96)، ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (المائدة:97)، وأنَّ البيت التالي له والمقترن معه في المسجدية هو المسجد الأقصى، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذ سأله أبو ذرّ رضي الله عنه: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ مسجِدٍ وُضِعَ في الأرضِ أوَّلُ ؟ قالَ: (المسجدُ الحرامُ). قلتُ: ثمَّ أيٌّ ؟ قال: ( المسجدُ الأقصَى).
وهذا الوضع من الله تعالى، وَضْعٌ لمصلحة البشرية كلها واستقامة أمرها وصلاح شأنها، وهذا ماأشارت إليه كلمة ﴿للناس﴾ وكلمة ﴿للعالمين﴾، الواردة في الآيات السابقة أو في قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:71)، كما يؤكّده مفهوم البركة المقترن بالمسجدين، كما في آية آل عمران السابقة وآية الإسراء.
فهذان المسجدان مؤشر لانتشار السلام والعدالة في الأرض، واضطرابُ أمرِ الناس حولهما أو حول أحدهما علامةٌ على اضطراب أمْرِ البشرية كلها، ولا حاجة للدليل على ذلك، فما يجري في المسجد الأقصى وما حوله، ومنه غزة، علامة على الفساد المستشري في البشرية، وعلى سطوة الهمجية عليها، واستعلاء الظالمين في الأرض كلها، ولذلك لا غرابة أن نرى اجتماع كل المجرمين والطغاة على الوقوف خلف هذا الكيان في حربه الهمجية وعدوانه المستمر على فلسطين، لأن جبهة الظلم والكفر والفساد واحدة، وفي فلسطين معركتها الكبرى مع الحقّ والعدل والخير.
ومما لاشك فيه أنَّ شهر رمضان بين الأزمنة هو الشهر المبارك بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه يحرص المؤمنون على عمارة مساجد الله بالعبادة وفعل الخيرات، وفي مقدمتها المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وما يتخذه الصهيوني من إجراءات لمنع المصلين من ارتياد المسجد الأقصى، والتضييق عليهم بكل وسائل الإرهاب، إضافة إلى اقتحام المسجد من قبل المغتصبين الصهاينة، علامةٌ تؤكد طبيعة هذا المحتل العدوانية، وتعطي المؤمنين أدلة إضافية على أحقية موقفهم الرافض للاحتلال، والمؤمن بوجوب العمل لتحرير هذه الأرض، ومشروعية كل عمل مقاوم في سبيلها.
كما يؤكد هذا الظلم والعدوان على مساجد الله، التي نضيف إليها ههنا مسجد إبراهيم خليل الله في مدينة الخليل، أنَّ الزوال والبوار مصير المعتدين الظالمين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا، أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ؛ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة:114).
إنَّ صورة الأقصى المبارك في رمضان، ما بين رباط فيه وصلاة وصدقة وإعمار بالخيرات، وبين عدوان وإرهاب واقتحام واحتلال؛ صورةٌ للعالم كله، ما بين ساعين للعدل والسلام واستقرار الأرض ونشر الفضيلة والخير والأمان، وهؤلاء من كل جنس ولون؛ وبين قتلة مجرمين ظالمين، لا يتورعون عن ارتكاب جرائم الإبادة، ونشر الفساد في الأرض، ولن يكون مصير سعيهم إلا الخزي والخسران بإذن الله.
وكما كتبت غزة فصلاً مشرقاً من فصول العزة والشرف، وأكدت أن القوة المادية الظالمة لاتستطيع كسر إرادة الحرية، فإن ما تفعله الضفة لا يقلّ عن ذلك أبداً، وسوف يكون رمضان حافزاً أكبر للمؤمنين بعدالة هذه القضية، من أجل المزيد من العمل الجادّ لتحرير الأقصى وليرجع مفتوح الأبواب لكل الناس، حتى يدخلوه آمنين مطمئنين بفضل الله.
أمانة سر الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين