مقالات

الإسراء والمعراج.. الوعي والاستلهام

كرّس المسلمون خلال عقودٍ طويلة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في الوعي الجمعي الإسلامي والعربي، إيماناً منهم بما حوته هذه الرحلة المعجزة من معانٍ لاينبغي أن تغيب عن واقع المسلمين اليومي، وذلك لما حملته من أبعاد في العقيدة والتربية والتاريخ والصراع في الماضي والحاضر، فدفعتهم هذه الأبعاد إلى استحضارها في حياة الأمة كأداة محركة تبعث على الاعتزاز بالهوية والدفاع عنها والصبر على كل الأعباء التي يمكن أن تعترضها خلال مسيرتها في حمل رسالة السماء الخاتمة التي جاء بها سيد الخلق محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه.

استلهم المؤمنون من هذه الرحلة المعجزة؛ أن فقد أقرب الناس لايعني التراجع والضعف أمام الفكرة والهدف، فإن غاب القريب والداعم البشري، فإن القوة العظمى والأنس بالله لن تغيب أبداً، وكذلك فإن خذلان العشيرة والأقارب لايعني غياب السند الأعظم والأمتن والأدوم، وهو السند الإلهي، فكان هذا الاستلهام قوة دافعة لكل صاحب مشروع حضاري وتغييري، ولكل صاحب حق يادفع عن حقه، بأن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب واليسر ينبع من العسر، وأن عدم تقدير البشر لما يحمله صاحب الحق في المنظور البشري، لايعني أن صاحب الحق الذي لايعرفه بعض البشر، فهناك سلسلة من الأنبياء ودعاة الحق يعرفونه وينتظرونه، وهو ضمن قوائمهم.

 وإن السنن الكونية بيد خالق البشر وهو القادر وحده على تغييرها لينصر حملة الكرامة والإنسانية والحرية لكل البشرية.

استلهم هؤلاء الصادقون أن هناك معراجاً يومياً ينبغي أن لايغيب عن أصحاب الرسالات في طريقهم الوعر والشائك وهو الوقوف بين يدي المدبر للكون الحقيقي، يناجونه ويعرضون عليه همومهم وآلامهم وآمالهم وضعفهم، ويستمدون منه خلال هذه الصلة القوة والعزيمة والصبر والنصر، فتفنن هؤلاء بألون العبادات والوقوف بين يدي الله تعالى في كل حركاتهم في الواقع الحياتي.

ووقف الكل أمام هذا الربط الرباني بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، الذي لا يخص عشيرة أو قبيلة أو بلد بل يخص كل المسلمين في الأزمنة والأمكنة، ليلهمهم هذا الربط بأن المساس بأي منهما هو مساس بالآخر، وأن واجب الدفاع عن المقدسات هو واجب عقدي وليس اختياري، لهذا رأينا ذلك الاهتمام من الرعيل الأول بالدفاع عن المسجد الأقصى حتى الاستماتة، كونه القبلة الأولى ومسرى رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، ومعراجه إلى السموات العلى ليرى من آيات ربه الكبرى، فصار الجهاد والدفاع عن بيت المقدس والمقدسات فرض عين بعد هذا الاستلهام لهذه الرحلة المعجزة.

والقائمة بالعبر والدروس المستفادة  لاتنتهي.

من هنا نقول اليوم بأننا يجب إعادة صياغة وعينا لهذه الرحلة، لنصوغ من بعدها حركة وبوصلة جهادنا، ولندرك بأن قتلة الأنبياء، وأعداء رسالات السماء هم من يحتلون القدس وفلسطين محاولين تغيير هويتها، فهل سنفهم هذه الرحلة كما فهمها ذلك الرعيل ؟
الشيخ الدكتور عبد الله كتمتو
منسّق الملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى