مقالات

تاريخ ميلادٍ جديد للأمة يبدأ يوم 7 أكتوبر

الشيخ محمد الناوي – إمام وخطيب جامع القدس في تونس

يقول تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) القصص5.

من المعلوم أن للزمن قيمة في حياة كل إنسان عاقل ومسؤول، ومن المعلوم أيضًا أن الزمن يكتسب تلك القيمة من الأحداث الهامة التي تترك بصماتها في التاريخ وخصوصًا تلك التي تسجل انتكاسة أو قفزة في مسيرة الإنسانية.

ولقد حثّ القرآن الكريم على ضرورة التحام العقل بما يحمله من حركة في وعيه بالواقع بتلك الأحداث حتى تلتزم حركة الإنسان المؤمن منهج الحيوية والعطاء والبذل.

 قال تعالى: (وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ) إبراهيم 5. وهي كل الأيام التي سجل فيها انتصار للحق على الباطل.

ولقد عاشت الأمة الإسلامية عبر قرونها وعقودها الأخيرة انتكاسات عدّة كان أخطرها الاستعمار المباشر وانتهت بالفتن الداخلية، وقد نال الشعب الفلسطيني النصيب الأكبر من التنكيل والقتل والتهجير.

ونحن كأمة مسلمة اعتدنا طيلة هذه المرحلة المظلمة من التاريخ أن نؤرخ لحياتنا المتعبة بمحطات النكبات والمجازر وكأن قدرنا أننا أمة لا تستحق الحياة وسط هذا العالم المتغول بأسلحته الفتاكة وبتحالفاته العفنة وبمؤسساته الدولية المنافقة.

ولله الحمد، لمسنا في العقود الأخيرة استنهاضًا للهمم بشكلٍ فعلي من خلال تصدّي بعض العلماء العاملين والرجال المخلصين الذين كونوا أجيالًا متشبعة بتعاليم الدين الحنيف حملوا على عاتقهم طيّ مرحلة النكبات ليصنعوا لأمتهم فجرًا جديدًا يعيد لهم عزتهم فعملوا ليلًا ونهارًا وقدموا أرواحهم في كل الساحات قرابيناً، إيمانًا منهم بعدالة قضاياهم، فغيروا الواقع وصنعوا معادلات لردع العدو، بل وأمسكوا بزمام المبادرة في العديد من الساحات.

وفي الأيام الأولى لقيام هذه الأمة، اعتمد المسلمون حادثة “الهجرة النبوية” لتأريخ أيامهم والحوادث التي حدثت وتحدث لاحقًا حتى أيامنا هذه، وقد كان اعتمادًا موفقًا بما مثلته الهجرة من نقطة تحول فاصلة من مرحلة الاستضعاف والتنكيل إلى مرحلة العزة والتمكين.

وأما اليوم، فإنني أرى اعتماد تاريخ إضافي من شأنه أن ينفخ في روح هذه الأمة نفسًا قويًا، ويعيد إليها ثقتها بنفسها في توكلها على ربها، وهو يوم انطلاق عملية طوفان الاقصى يوم7 أكتوبر 2023،  حيث اختصر المسير والمعاناة لأجيال وأجيال، ومن حيث نقله للقضية المركزية للمسلمين من طي النسيان الرسمي إلى أوج التضامن الدولي للشعوب، فتمّ فضح النفاق الغربي الرسمي وكل المؤسسات الدولية التي تتشدق باسم حقوق وكرامة الإنسان، فحرّك الطوفان صحوة في الضمير الإنساني في كل دول المعمورة لتتكشف له سياسات الغرب المتوحشة وخنجره المسموم في جسد هذه الأمة منذ 75 عامًا ويزيد وهو الكيان الصهيوني المحتل الذي مارس أبشع المجازر بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة تحت غطاء دول ادعت الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

إنّ طوفان الاقصى يؤرخ بحق لمرحلة جديدة للإنسان في حرمته وحريته وكرامته، ويؤرخ بالتأكيد للأمة الشهيدة التي نكلوا بها، وللأمة الشاهدة التي نفضت غبار الذل لتقود العالم من جديد ويتحقق على يديها قيادة العالم من جديد بتحقق وعد الآخرة بتحرير كل فلسطين ووراثة الأرض منةً وعطاءً من الله على صبرها وصلاحها وفعلها وتوكلها على ربها.

اللهم إنا نسألك نصرك الموعود لأهلنا في غزّة وكل فلسطين، والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى