مقالات

غزة.. جرح العطاء في زمن الجدب

بقلم الشيخ محمد الناوي

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31)

نقرأ في موروثنا الديني أن الله يبعث على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة دينها، ونقرأ أيضًا أن البركة في هذه الأمة باقية إلى قيام الساعة، وأن الله يُبقي على دينه بالقلة القابضة على الجمر في زمنٍ تضيق فيه الدنيا وتشتد على المستضعفين.

على الأمة أن تدرك جيدًا أن عزتها في وحدتها، حيث وبالعودة إلى تاريخها الطويل، ورغم كل الهزات الداخلية والخارجية التي رافقت مسيرتها، إلا أن الأعداء كانوا يحسبون لها ألف حساب. ومنذ اللحظة التي تفككت، تظاهروا عليها فقسموها بعناوين قومية ومذهبية، وعملوا على ترسيخ الفرقة بينها، حتى باتت نظرة المسلم لأخيه تشوبها الريبة، بينما ينبطح ويثق بالعدو.

لقد تم العمل وبقوة، ومنذ زمن بعيد، على قلب الحقائق وتزييفها، حتى بات الحق باطلًا والباطل حقًا. وكل ما تحتاجه الأمة اليوم هو إعادة البرمجة لعقلها وبصيرتها التي لم تعد ترى الثوابت التي تختصر عنها طريق المعاناة الجاثمة على صدرها.

ولقد كان الطوفان بمثابة الصرخة الأخيرة في جسد الأمة المنهك الذي ركب قطار التطبيع والذوبان. وبدل أن تهب الأمة وتلتحق بغزة، آثرت القعود. وللأسف، آثرت بعض أنظمتنا أن تكون إلى جانب العدو، بل وفشلت نخبنا، ومعها علماؤنا، في الاستفادة من فرصة تاريخية كان يمكن فيها تطويع الرأي العام الشعبي لخدمة القضية المركزية للأمة، والإمساك بصناعة القرار، وانتشال الأمة من الهوان المفروض عليها إلى خيار العزة والاقتدار، ومن الفرقة المقيتة إلى الوحدة والقوة. وهذا لم يحصل، وما زاد من الأسف والحزن هو ما ردده، ولايزال، بعض نخبنا حين يلقون اللوم على المقاومة في غزة ويجعلونها المسؤولة عن الدماء والدمار الحاصل.

ولهؤلاء الذين عميت بصيرتهم نقول: إن المقاومة، وما فجرته من طوفان، كانت فعلًا مسؤولة عن إحراج نخب ومؤسسات دينية كان بإمكانها فعل الكثير، لكنها تخلت عن مسؤولياتها في لحظة فارقة، فلبسها عار لن يمحوه الزمن إلى يوم القيامة.

نعم، المقاومة مسؤولة عن فضح أنظمة ونخب تخلت عن مسارها وقبلتها الأولى، وفضحت مؤسسات دولية كان من المفترض أن تقف إلى جانب المظلوم، فباتت أداة بيد الظالمين تُكرّس الظلم جهارًا.

والمقاومة هي المسؤولة عن استعادة شرف أمة وعزة مفقودة، وحررت إرادة الشعوب في العالم التي أعمتها المنظومة الغربية لعقود، وأحيت قضية مقدسة كادت تموت، وكسرت أنوف المنافقين وفضحتهم، وأدّبت الاحتلال وأعوانه، وبيّنت عجزهم أمام إرادة أصحاب الحق، وأحيت فكر الجهاد الذي ظل مطمورًا ومحنطًا في كتبنا وكأنه من الماضي. المقاومة كانت المسؤولة عن كل ذلك.

أما المسؤول الأول والأخير عن الدمار والدماء في غزة فهم الصهاينة المجرمون، والغرب الصليبي الحاقد، والمنافقون من أبناء أمة الإسلام، وأنظمتنا الوظيفية، وأدعياء العلم والمشيخة عندنا، الذين بخلوا حتى بالكلام، ولم يعلنوا النفير والجهاد للقبلة الأولى، بينما أعلنوه سابقًا لتدمير دولنا وتفتيت أمتنا بعناوين طائفية وقومية.

طوفان الأقصى اسم على مسمى، كان بمثابة فحص للحمض النووي لأصل وديانة الكثيرين من أبناء ديننا، ولحواضر كنا ولا نزال نعتقد أنها حصن الأمة الأخير، وعامل وحدتها، وصانعة نهضتها وانتصاراتها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى