مقالات

غزة.. للأقصى ربٌّ يحميه والنصر آتٍ لا محالة

بقلم الشيخ محمد الناوي

﴿ولا تحسبنَّ الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون﴾ (إبراهيم 42)

لكل عصرٍ مؤمنوه، ولكل عصرٍ أبرهته وفراعنته، والتدافع لن يتوقف، والأيام دول، ومهما تجبّر الظالمون فنهايتهم محتومة، والعاقبة للمتقين.

وفي خضمّ الخذلان المميت الذي تطبع به غالبية المسلمين، حتى باتت قلوبهم ميتة من أدنى إحساس تجاه ما يجري على إخوانهم في غزة، وفي ظل التجاهل الكبير للتحديات الخطيرة التي تهدد وجودهم، لم يتبقَّ من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا القلة الصابرة والثابتة على الحق، وهي التي تمثل الإسلام الأصيل حركةً في كل تفاصيل حياتهم.

المتحكمون في العالم اليوم كشفوا عن وجههم الحقيقي، حيث العنوان الكبير هو تكريس الغطرسة والسقوط الأخلاقي، والدوس على كرامة الشعوب ومقدساتها، فلا أمم متحدة، ولاحقوق إنسان، ولا قوانين تحكم العلاقات الدولية في توازناتها التي تحفظ السلم الدولي، مجموعة من المجرمين والمنحرفين هم من يرسمون مصير البشر في تحدٍّ مزدوج للخالق والمخلوق.

وقد تعلمنا من دروس التاريخ أن الأزمات عندما تستحكم، والظلم عندما يتغوّل، وعندما يتم تغييب منطق الحكمة، قد لا يكون المخرج والخلاص للبشرية إلا عبر الحروب ليعاد تقسيم العالم من جديد على المنتصرين في تلك الحروب، وليعاد رسم سياسة جديدة للعالم.

والحرب هذه المرة ليست كسابقاتها، فالمستهدف الأكبر هذه المرة هم المسلمون في وجودهم وفي استمرارية دولهم المفككة، بل وفي مقدساتهم من القبلة الأولى إلى الكعبة المشرفة والمدينة المنورة، حيث فتح خذلان غزة شهية العدو الصهيوني على حلمه في بناء دولته من النيل إلى الفرات، والمؤسف أن جزءًا كبيرًا من أحلامه يتم تحقيقها عبر وكلائه من (المسلمين) الذين كانوا له شريانًا حيويًا في عدوانه على غزة، وفتحوا له أجواءهم لتكون ممرًا للعدوان على دول مسلمة أخرى، فيا خيبة المسعى، ويا خيبة حال هذه الأمة، ويا ناصر القلة الصابرة.

بعد الفوضى العارمة والحروب الداخلية، استُفرد العدو بغزة، وبات ضم الضفة مسألة وقت، وبات الدين الذي يتقرب به المسلمون إلى خالقهم منحصراً في عبادات، ولا علاقة للمسلمين بواقعهم. فهذه حواضرنا منكبة على مدارسة الكتب القديمة، وأما فقه الواقع وفقه حل الأزمات التي تتهدد وجودنا فمغيّب بانتظار حضور العدو ليطرق أبوابنا. تبلّد في الوعي وانفصام كامل عن الواقع، وسفينة الأمة بلا ربان تتقاذفها أمواج التعصب المذهبي، وكلٌّ يدّعي امتلاكه للحقيقة المطلقة في فهم الدين، فيما العدو، وبعد إشعاله لتلك الفتن، يتحيّن الفرصة ليقضي على آخر نفس فينا.

لن يكون للأمة من أمر جامع لها أكبر من غزة ومعاناتها، ولن يكون لها من عامل للوحدة أكبر وأقوى من الأقصى وفلسطين، ومن فرّط في غزة يفرّط في كل الأوطان، فحال حواضرنا يقول: اتركوا لنا المساجد والصلوات، اتركوا لنا ترتيل القرآن وصلاة التراويح والعمرة والحج، وخذوا منا كل شيء… خذوا منا حريتنا واستعبدونا، ولكن لا تقتلونا.. بتنا نتلذذ بعجزنا، والمصيبة أننا نعتقد بأننا نمتلك كل الحقيقة رغم خذلاننا وخيانتنا للقبلة الأولى.

وها هو العدو يحوّل الهدنة إلى إبادة ناعمة، حيث يتواصل القتل بكل هدوء، ويتواصل التجويع والحصار، وكبرى الدول الإسلامية تتسابق لدفع الأموال لتحظى بشرف الانضمام إلى مجلس السلام الذي يتزعمه كبار مجرمي العالم الذين يعملون على تجريد المقاومة في غزة من سلاحها وعلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم..

﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (يوسف 21)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى