مقالات

القضية الفلسطينية.. من ثوابت الدين إلى تزوير الواقع

بقلم الشيخ محمد الناوي

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

كيف استطاع العالم الغربي أن يسيطر على الأمة الإسلامية بعد عقود من الخلافة الجامعة والمانعة؟ وكيف أسس لمنظمات دولية لتسيير العالم وفق قوانين خاصة تصب في مصلحته؟ وكيف تحولت تلك القوانين الوضعية إلى ثوابت في العقل العربي والإسلامي، وبديلًا عن ثوابت الدين؟

قوانين وضعية تقسم المسلمين إلى دويلات، وتفرض على المسلم تأشيرةً (صعبة المنال) ليزور بلادًا مسلمة أخرى! كيف نجح الغرب في سنّ قوانين ما يُسمى بـ”السيادة الوطنية” و”عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى”، حتى لا تتمكن دولة مسلمة من مدّ يد العون إلى دولة مسلمة أخرى تتعرض للعدوان، وذلك ذريعةً للاستفراد بنا واحدًا تلو الآخر؟

كيف استطاع الغرب أن يمسك برَسَن القرار الرسمي العربي والإسلامي، ليجعلنا كالدابة الذلول، يسخّرها لخدمة العدو المحتل للقبلة الأولى؛ تارةً بتقديم الدعم الاقتصادي له، وتارةً أخرى لنكون المدافع الأول عن كيانه الزائف، بالتصدي لصواريخ المقاومة التي تساند غزة في محنتها؟

كيف استطاع الغرب أن يطوّع حواضرنا الدينية لخدمة مشروعه الاستعماري؛ تارةً بالصمت والخذلان عما يجري من إبادة كبيرة في غزة، وتارةً أخرى عبر إصدار البيانات التي تدين ضرب قواعد الأعداء المنتصبة على جغرافيتنا العربية والداعمة للعدو، وتعدّها اعتداءً على السيادة الوطنية؟

ألف سؤال محيّر، والجواب واحد؛ لقد عمل الغرب الاستعماري، وبنَفَس طويل، على ضرب الوعي عند المسلمين عبر أدواته، وحقق نجاحات كبيرة؛ بدءًا بفرض التقسيم وإثارة الفتن بين المسلمين، وثانيًا بتغيير ثوابت الدين، بضربه للوحدة الجامعة (الأمة الواحدة) بنص القرآن والحديث، ووجوب النصرة: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه” (البخاري ومسلم)، وتبديلها بقوانين دولية تمنع التواصل بين أبناء الدين الواحد بحجة التدخل في شؤون الآخرين.

لقد شاهد الجميع كيف تحولت عمليات الإسناد لغزة من قبل الشرفاء العاملين بثوابت الدين إلى مجازفات كبيرة وأخطاء من طرف الذين مُسخت عقولهم بقوانين الغرب، ورأينا كيف تتحرك القوافل البرية عبر جغرافيتنا الإسلامية، لإغاثة الأعداء المحتلين للقبلة الأولى، دون أي إنكار من عقلاء الأمة وحراس دينها.

ورأينا كيف تتصدى الدفاعات الجوية في بلادنا العربية للصواريخ المتجهة إلى عاصمة المحتل الذي يبيد المسلمين، لتسقطها على رؤوس مواطنيها ولا تسقط على رؤوس المحتلين، ورأينا كيف تخرج علينا العمائم لتدين عمليات الإسناد بقصف قواعد الشيطان، ولم نسمع لها صوتًا لبيان موقف الدين الثابت في حرمة إيواء تلك القواعد، كما قال رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم: “من آوى محدثًا أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا” (أخرجه مسلم وأحمد).

لقد وصل بنا الوهن إلى درجة أن من يمدّ المقاومين بما يحتاجونه لدفع ظلم المحتل عن أرضهم يُعدّ متهمًا بأنه تدخل في شؤون الآخرين وخرق للسيادة، وإلى عدّ من يتلقى ذلك الدعم بأنه ذيل وتابع لمن يدعمه، متناسين ثوابت الدين التي تحرّم الخذلان؛ فكيف إذا كانت القبلة الأولى وكل فلسطين ترزح تحت الظلم لعقود؟

لو قرأنا التاريخ قليلًا، لرأينا كيف سارت جحافل المقاومين على الأقدام باتجاه فلسطين من بلاد المغرب ومن غيرها أيام النكبة، ولسمعنا أن جماعة من إندونيسيا خاضوا بسفنهم المتهالكة الأمواج العاتية باتجاه الآستانة، طلبًا لدعم الخلافة أيام الاحتلال الهولندي لأرضهم قبل قرون، وكيف أعطاهم الخليفة آنذاك “مدفعًا” ليعودوا به ويقاتلوا المحتل.

إنها، ببساطة، ثوابت الدين الإلهي التي استُبدلت بقوانين الغرب لتفتيت المسلمين، ولعبة إغراق الوعي لدينا في متاهات التفرقة العرقية والمذهبية، وحالة السكوت عن الحق التي تلبست بها مؤسساتنا الرسمية وحواضرنا الدينية دون خجل، مقابل حالة القلة المؤمنة الثابتة على الحق، التي ستنتصر في النهايات كما حكاها القرآن كسنّة ثابتة ثبوت الليل والنهار والشمس والقمر:

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 10].

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى