فلسطين.. والأمة المتحيرة
بقلم الشيخ محمد الناوي
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
لم يوكل الله أمر هذه الأمة لكي يصلح شأنها إلا لخيرة أبنائها، وما نراه من بؤس وهوان وخيانة وخذلان ما هو إلا نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء وإخلال قدواتها بواجباتهم؛ فالعلماء هم ربان السفينة التي تحمل كل إرث الأمة وتاريخها، وهم صناع أمجادها ومستقبلها، وفي نفس الوقت قد يكونون سبب انتكاساتها.
إن العلماء والمصلحين هم وحدهم من يمثل الامتداد الطبيعي لخط الأنبياء عليهم السلام ولرسالات السماء التي جاءت لبناء الحياة التي تليق بكرامة وعزة الإنسان، ومتى ما تخلى هؤلاء عن واجباتهم فلن يتمكن أحد من أن يملأ مكانهم والقيام بدورهم باقتدار؛ فالعلماء هم من يربط الدين بحركة الحياة، وهم الحاضرون دوماً لتفعيل علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان ومع الطبيعة، وهي علاقة انسجام وتكامل وتعدد أدوار.
وفي مدارسنا الفقهية الإسلامية، هناك ما يُسمى بفقه الأولويات، وهناك قواعد أصولية وهي عبارة عن تفسير لآليات هذا الباب من الفقه؛ فهناك ترتيب للأولويات وهو ليس مجرد عملية عفوية وارتجالية يفعلها من هب ودب، بل هو مهارة واقتدار وأخلاق وضرورة دينية لحفظ مصلحة الفرد والمجتمع، ولتحقيق التوازن بين الأمور العبادية والأمور الحياتية؛ فلا يُقدم المهم على الأهم ولا المرجوح على الراجح، بل يُقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير، ومن هنا قلنا إن العلماء هم من يجب أن يتصدى لتغييرات الواقع ليقدموا الحلول والخطط في أوقات اليسر والعسر. وفي تنزيل فقه الأولويات على ما يجري في الأرض التي بارك الله فيها وحولها من سحق ومحق للإنسان والأرض والمقدسات، نجد حضوراً لفقه الأولويات الذي يقدم الحلول في أوقات الحروب؛ ليعطي لحياة الإنسان الغزي خصوصاً والفلسطيني عموماً اهتماماً وأولوية في العلاج وتوفير الغذاء، والدعوة الصريحة إلى تفعيل عناصر القوة لدى المسلمين للضغط على العدو ليوقف عدوانه، والدعوة إلى الجهاد لتحرير فلسطين؛ فكل رسالات السماء قد جاءت لإقامة العدل ودفع الظلم.
وللأسف الشديد، وفي هذه المحنة القاسية التي تمر على فلسطين، نحس بغياب كبير للخطاب الديني الذي يتناسب وحجم المعاناة وضرورات المرحلة، والذي تجاهلته حواضرنا الدينية عن قصد وعن غير قصد؛ فبدل أن يستثمر العلماء في هذه الفرصة التاريخية التي ظاهرها محنة ليستعيدوا دورهم الريادي في قيادة الأمة باتجاه تحقيق عزتها ووحدتها، نرى الكثير منهم لم تحرك فيهم دماء غزة والجنوب العزيز ساكناً، بل هم منشغلون في أمور جانبية، وكثيراً مايعملون على إثارة النعرات المذهبية، وهم -من حيث يعلمون أو لا يعلمون- يمنحون أعداء الأمة قوة من خلال طرق أكبر وأخطر نقطة تهدد وجودنا كأمة واحدة.
إن أحكام فقه الأولويات تسري على كل فرد مسلم قادر ومكلف، وفي ذلك إشارة إلى نقطة مهمة، وهي أن تلك الأحكام من شأنها أن توحد المسلمين، وتجمع كلمتهم، وتراكم مجهوداتهم باتجاه تحقيق عزتهم.
نسأل الله أن يسخر لهذه الأمة المتحيرة في تقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره، من ألطافه الخفية ومن الأسباب الظاهرة من أبنائها من العلماء الربانيين والرجال المخلصين، مايأخذ بيدها إلى الوحدة والخلاص والعزة والتحرير الكامل لفلسطين. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)



