ربيع الأول والمراجعة المطلوبة
يطلع هلال ربيع الأول مبشّراً بذكرى ذلك الأيوم الأغرّ الذي تفضّل الله عزَّ وجلّ فيه على العالمين بولادة سيدنا المصطفى الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم، وقد وردت في تحديد اليوم الذي كانت فيه هذه الولادة الشريفة روايات متعددة، باستثناء أنها كانت صبيحة يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فهذا أمر مؤكد؛ لكنّ علم مقارنة التواريخ القمرية والشمسية يرجّح أن الولادة المباركة كانت يوم الإثنين، تاسع ربيع الأول، الموافق 20 نيسان 571 ميلادية، حسب ما أثبته حديثاً العلامة الفلكي محمود حمدي باشا، وأبو القاسم السهيلي وغيره من المؤرخين قديماً.
وإذا كان هذا الاختلاف مفهوماً لعدم ورود نصّ شرعي قطعي في الموضوع، فإنَّ من غير الطبيعي ولا المقبول أن يكون المولد النبوي سبباً لنزاعات شتّى في أيامنا هذه، كما يحصل كل عام بتجديد الجدال العقيم حول مشروعية الاحتفال.
والحقيقة أنَّ هذا النزاع نتيجة لحالة عامة، إذ أضحى أي اختلافٌ للرأي سبباً للشقاق والتناحر وإراقة الدماء فيما بين المسلمين، الذين تفرقوا “أيدي سَبِا”، وانقلبوا غثاءً كغثاء السيل، ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ (الحشر:14)، قد ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:32).
وفوق ذلك كلّه، بل ونتيجة له، أضحت بلاد المسلمين وأعراضهم وأموالهم نهباً للغزاة الطامعين، وما قضية فلسطين وأحوالها وما يجري على شعبها إلا مرآة تحكي حقيقة هذه الأمة في واقعها اليوم، باستثناء لمعات مضيئة هنا وهناك، من أناس عاينوا الحقّ فلزموه، وآمنوا بالإسلام الجامع لكل من دخل فيه طواعية، وعرفوا عدوهم فاتخذوه عدواً، رغم تخلّي معظم الأمة عنهم، وتواطؤ بعض المتخاذلين مع المحتل الغاصب.
ومع ذلك يظل من الواجب، بل ومن أهمّ الواجبات السعيُ في إصلاح هذه الحال، وعدم اليأس والقنوط، فإنَّ في الأمة طاقات مباركة، ومجاهدين ومثقفين وعلماء أتقياء، وشباباً أولي عزيمة واجتهاد، يأخذون الفأل من إخوانهم في فلسطين وما هم عليهم من العزيمة والثبات على البلوى والصبر على الموت والتمسك بالحقّ وعدم التسليم للغاصب مهما اشتد بأسه وأذاه.
أفلا ينبغي والحال كما نرى، ومقوماتُ الخروج منها موجودة بفضل الله، أن يقوم العلماء وكل غيور وصاحب كلمة بعملية مراجعة صريحة لأسباب هذا الواقع المرير ؟
ألا يجب على علماء المسلمين أن يكونوا قدوة في التراحم والتعاون واجتماع الكلمة على قضية المسلمين الكبرى فلسطين ؟ وأن يعلنوا بكل وضوح نَبْذَ التكفير، وهجران التنابذ بالاتهامات، وأن يكون لهم وهم أصحاب علم وفهم موقف مستقل عن الغوغاء الذين يثيرون الضغينة فيما بين المسلمين ؟
نعم. إننا نرى كثيراً من العلماء يهابون التصدي للأعمال والأقوال التي تصدر عن جماعاتٍ من الجهلة، الذين يعملون على شدّ العصب الطائفي المقيت، ويديرون معارك شرسة مع أقرانهم من المذاهب الأخرى، معارك تنتهك فيها حرمة الإسلام ويخرج منها العدو سليماً، بينما يسكت أهل العلم إلا قليلاً منهم ويعرضون عن مواجهة هذا الداء والشر المستطير !
فيا علماءنا الكرام، ويا أهل الفهم والغيرة: كفانا خوفاً من الحاكم ومن المحكوم، وأقبلوا على أنفسكم في هذا الشهر المبارك فراجعوها، واعرضوا مواقفكم على قواعد القرآن وهدي السنة، وضعوا نصب أعينكم كلام سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أَدُلُّكُم على أَفْضَلَ من درجةِ الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ ؟ قالوا : بلى يا رسولَ اللهِ. قال : إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ. لا أقولُ : إنها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولكن تَحْلِقُ الدِّينَ).



