مقالات

الهجرة كمنهج لبناء الأمة

بقلم الشيخ يوسف عباس – أمين عام الملتقى العلمائي العالمي

مع مطلع العام الهجري الجديد، تستعيد الأمة ذكرى الهجرة النبوية المباركة، تلك الحادثة العظيمة التي لم تكن مجرد انتقالٍ من مكة إلى المدينة، بل نقطة تحول صنعت أمة وغيّرت مجرى التاريخ.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده اليوم ليس: ماذا حدث في الهجرة؟ بل: ماذا بقي من الهجرة في حياتنا؟ وهل ما زالت مشروعًا حيًا يتحرك في واقع الأمة، أم تحولت إلى ذكرى نستعيد أحداثها ثم نمضي؟

لقد كانت الهجرة إعلانًا عن مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام؛ مرحلة الانتقال من الاستضعاف إلى بناء القوة، ومن التشتت إلى الوحدة، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المستقبل. ولذلك لم تكن الهجرة حدثًا انتهى بوصول النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، بل منهجًا دائمًا يدعو الأمة في كل عصر إلى مراجعة واقعها، والانتقال من أسباب ضعفها إلى أسباب نهضتها.

الهجرة وبناء الأمة

حين وصل النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، لم يجد مجتمعًا مثاليًا خاليًا من المشاكل، بل واقعًا مركبًا أنهكته النزاعات بين الأوس والخزرج، وتداخلت فيه المكونات الاجتماعية والدينية، وظهرت فيه لاحقًا تحديات النفاق والولاءات المترددة.

في هذا الواقع، أسس النبي صلى الله عليه وآله مشروع الأمة؛ لا على إلغاء التنوع، ولا على تجاهل الخلافات، بل على توجيه المجتمع نحو رسالة جامعة ومسؤولية مشتركة. فلم يسمح لصراعات الماضي أن تتحكم بمستقبل المدينة، بل نقل أهلها من أسر الانتماءات الضيقة إلى أفق الأمة الواحدة، القادرة على حمل رسالتها ومواجهة تحدياتها.

وثيقة المدينة.. نموذجًا فريدًا

ولم يبق هذا التوجه دعوة عامة، بل تحوّل إلى برنامج عملي تجلّى في وثيقة المدينة، التي نظمت العلاقة بين مكونات المجتمع، وحددت الحقوق والواجبات، وأرست قواعد التعاون والتكافل والدفاع المشترك.

لقد قدّمت الوثيقة نموذجًا مبكرًا في إدارة المجتمع المتنوع؛ إذ لم تجعل الاختلاف سببًا للصراع، بل ضبطته ضمن إطار المصلحة العامة، وجعلت حماية المدينة مسؤولية جماعية تتقدم على العصبيات والحسابات الخاصة.

ومن هنا استطاع النبي صلى الله عليه وآله أن يحوّل مجتمعًا أنهكته الصراعات إلى أمة موحدة، وأن يجعل من الطاقات المتفرقة قوة حضارية غيّرت وجه التاريخ.

من درس المدينة إلى واقع الأمة اليوم

وليست قيمة هذا الدرس في أنه ينتمي إلى الماضي، بل في أنه يكشف لنا ما تحتاجه الأمة حين تحاصرها الأزمات، وتتكاثر عليها الأخطار، وتشتد محاولات تفكيكها من الداخل.

فالمنطقة تعيش اليوم مرحلة شديدة الاضطراب؛ فلسطين تواجه حرب إبادة وعدوانًا متواصلًا، ولبنان يتعرض لاعتداءات وانتهاكات مستمرة، وإيران تواجه أشكالًا متصاعدة من الاستهداف والتهديد، فيما يرزح اليمن تحت حصار طويل وحروب وضغوط لم تنجح في كسر إرادة شعبه. وفي خضم هذه التحديات الكبرى، تتكاثر دعوات الانقسام والتجييش المذهبي والسياسي والقومي، وكأن المطلوب أن تنشغل الأمة بخلافاتها الداخلية فيما تتعرض قضاياها الكبرى لأخطر التحديات.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة في زمن الأزمات ليس التهديد الخارجي وحده، بل أن تتحول خلافاتها الداخلية إلى معارك تستنزف طاقاتها، وتصرفها عن أولوياتها، وتمنح خصومها ما عجزوا عن تحقيقه بالقوة.

ولهذا يضع القرآن الكريم بين أيدينا قانونًا واضحًا من قوانين النصر والهزيمة:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

فذهاب الريح ليس خسارة عابرة، بل فقدان للقوة والتأثير والحضور، وهو ما تسعى إليه كل المشاريع التي تريد للأمة أن تبقى ممزقة، منشغلة بذاتها، عاجزة عن حماية قضاياها الكبرى.

هجرتنا اليوم

إذا كانت الهجرة النبوية قد صنعت تحولًا تاريخيًا في حياة الأمة، فإن لكل جيل هجرته التي تفرضها تحديات زمانه.

وهجرتنا اليوم ليست انتقالًا من أرض إلى أرض، بل من حالة إلى حالة؛ من ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن التبعية إلى المبادرة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الانتظار إلى المسؤولية، ومن تشخيص الأزمات إلى صناعة الحلول.

فالأمم لا تتقدم بما تستعيده من أمجادها فحسب، بل بما تصنعه في حاضرها، وبما تمتلكه من رؤية وإرادة وعمل. والهجرة المطلوبة اليوم هي أن نغادر كل ما يضعف الأمة ويفرقها، إلى كل ما يجمعها ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات وبناء المستقبل.

الهجرة التي نصنع بها المستقبل

مع بداية هذا العام الهجري، لا يكفي أن نستعيد الهجرة باعتبارها حدثًا عظيمًا في التاريخ، بل ينبغي أن نستعيدها بوصفها نداءً للعمل والتحول وبناء القوة.

لقد غيّرت الهجرة مجرى التاريخ لأنها لم تكن هروبًا من الواقع، بل بدايةً لصناعته؛ ولم تكن انسحابًا من المواجهة، بل تأسيسًا لمرحلة امتلكت فيها الأمة وعيها وتنظيمها وإرادتها.

وما أحوجنا اليوم إلى هجرة من الضعف إلى القوة، ومن التفرق إلى الاجتماع، ومن الانفعال إلى الفعل؛ هجرةٍ تحوّل الذكرى إلى برنامج ينهض بالأمة، ويحمي قضاياها، وفي مقدمتها فلسطين، ويجعل من العام الجديد بدايةً لمسؤولية جديدة.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى