فلسطين والأمة الإسلامية: من خسارة الأرض إلى هزيمة الوعي

بقلم الشيخ محمد الناوي
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” (البقرة: 251″
لقد حارب النبيون، سلام الله عليهم، حين كانت الحرب ضرورة لمواجهة الباطل وإقامة الحقوق، وحارب من بعدهم الصالحون أداءً لواجباتهم وحفظاً لحياة الناس واستقرار معيشتهم؛ فالحرب كانت تمثل آخر الحلول الممكنة عندما تُغلق الأبواب أمام صوت الحكمة في معالجة الخلافات العالقة.
وجاءت الأوامر الإلهية واضحة في وجوب إعداد القوة المادية وغير المادية، لتمارس بواسطتها الضغوط على الجهة الرافضة للحق حتى تكف عن عدوانها، بل وحتى تفكر تلك الجهة في عواقب غيّها إن هي فكرت في تجاوز حدودها: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ” (الأنفال: 60).
وبين سنة التدافع وما تقتضيه من إعداد عناصر القوة لدى المسلمين، تقف غزة وحيدة ومخذولة من أمة تنافست في حفظ القرآن عن ظهر قلب، وما حفظت دماء المسلمين من خلال ما ورد في آياته! أمة تجتر كل التاريخ واختلافاته، وتترصد بعضها بعضاً والعدو على عتبة بابها، بل قد دنس أقصاها، واستباح حماها، وسفك دماء الآلاف من أبنائها.
أمة لم يسعفها موروثها الفقهي الكبير وما حوى من أبواب، لتفتح ما تشاء منه وتوصد باب الجهاد، ولم تسعفها حواضرها وما تدرسه في الحلقات، لتغيب صوت الوحدة والدعوة إلى النفير لإنقاذ آخر المرابطين في أكناف بيت المقدس.
لن ينزل الله الملائكة لتحل محل الإنسان في بناء حياته وإعمار الكون، ولا لتحل محله في الإعداد لمجاهدة الظلم؛ فهذه الدنيا وهذا الكوكب هو بالدرجة الأولى محل لفعل الإنسان ليقرر مصيره، وليضحي بكل ما يملك للحفاظ على حياته وتحقيق العدالة في الأرض.
إنّ أخطر الهزائم التي مُني بها المسلمون في عصرنا ليست هزيمة الأرض، بل هي هزيمة الوعي؛ حيث بات المظلوم متهماً بأنه سبب مأساته لأنه قاوم الظلم! وهذا ما شهدناه في غزة، حيث اتُّهم صُنّاع ملحمة الطوفان بأنهم سبب خراب غزة وسبب قتل أهلها، وبات الاستسلام عين الحكمة، وباتت المقاومة مغامرة خاسرة. وهذا ما سمعناه في تصريحات العديد من النخب المسلمة التي تعمل على تشكيل الوعي الجمعي بما يتناسب وأجندات العدو، وبات التطبيع والانبطاح منهجاً نبوياً حكيماً عند مشايخ السوء، منطلقين من فهمهم المغلوط للواقع ليسقطوه تعسفاً على سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
بكل أسف، فإنّ الغالبية من المسلمين قد خسروا معركة الوعي؛ لا فرق بين الأكاديمي المرموق، ولا الشيخ، ولا الإنسان العامي، كونهم يشتركون في مصدر الخبر الذي ينهلون منه معرفتهم بالواقع، وهم ـ من حيث يعلمون أو لا يعلمون — قد وقعوا في فخ ضرب الوعي الذي نصبه أعداء الأمة ليصنعوا إنساناً بلا قضية، وبلا ذاكرة، ومسلوب الهوية، وعبداً للقمة عيشه يأبى التفريط فيها في مقابل التضحية لأجل أمة بأكملها ولأجل قضية محورية تتوقف عليها عزة المسلمين.
أمة بات الناطق بالحق فيها متطرفاً، والساكت فيها عن قول كلمة الحق عاقلاً، وحامل السلاح دفاعاً عن أرضه وعرضه إرهابياً ومتطرفاً!
إنّ الباطل يبقى باطلاً وإن طال الزمن، والاحتلال يبقى احتلالاً ولو طبّع العالم كله، فما بُني على الباطل فهو باطل. والمعركة اليوم هي معركة الأرض ومعركة الوعي معاً، والقضية لن تبقى حية إلا إذا حررنا وحركنا منطقة الوعي في ضمير الأمة وأحييناها.. وما ضاع حق وراءه طالب.



