فلسطين.. الأمانة التي يحملها الشرفاء
بقلم الشيخ محمد الناوي
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
لقرابة ثمانين عامًا، وإذا لم نَعُدَّ تلك المحطات الجهادية التي أحيتها وكانت تبعث فيها الروح من جديد، كانت القضية الفلسطينية -ومنذ صدور القرارات الأممية حول فلسطين، بدءًا بقرار التقسيم عام 1947- تراوح مرحلة الجمود، أو بتعبير أدق: وُضِعت في حالة الموت السريري، عن قصد أو عن غير قصد.
فالجهود الدولية لمنع العدو من التوسع في الاستيطان، ومنعه من انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، كانت صورية؛ ودليل ذلك أنه رغم الانتهاكات الجسيمة للجغرافيا الفلسطينية والمجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، كان صوت العالم الغربي، ومعه الموقف الرسمي العربي والإسلامي، لا يتجاوز تلك الإدانات المخجلة والباهتة التي فتحت شهية العدو التوسعية والإجرامية لتجاوز الجغرافيا الفلسطينية نحو سيناء المصرية والجولان السوري والجنوب اللبناني، لأجل فرض واقع جديد في المنطقة كلها يقبل بوجود هذا الكيان المجرم، حتى ولو كان ذلك على حساب الحق التاريخي للشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
فقام العدو بخطوات عدوانية تمثلت في الاحتلال والتوسع، ثم الابتزاز تحت عنوان: (الأرض مقابل السلام)، كما جاء ذلك في قرار مجلس الأمن عام 1967. ومن بعده جاءت اتفاقيات السلام، بدءًا باتفاقية كامب ديفيد، ثم أوسلو ووادي عربة، ومن ثم مبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002، التي كانت في الحقيقة مبادرة استسلام واعتراف بالعدو، وخُتمت باتفاقيات التطبيع الإبراهيمية.
أما الواقع اليوم، وبعد كل تلك القرارات التي لم يلتفت إليها العدو، والاتفاقيات التي ارتدت وبالًا على الدول المطبِّعة، فقد ترسخت قناعة في العقل الصهيوني مفادها: (لا شيء للفلسطينيين، بل كل شيء لمملكتهم من النيل إلى الفرات، ولا شيء للعرب أيضًا، ولا سلام إلا للشعب المختار).
والمتتبع للأحداث يرى أنه، وعبر التاريخ الطويل لهذه القضية، لم ينفخ روح الحياة فيها إلا المقاومون الشرفاء بدمائهم الزكية وصبرهم، وكذلك بصبر ودعم الشعوب الحاضنة للمقاومة التي مثّلت عمود الخيمة لهؤلاء المقاومين ليستمروا في جهادهم ويطوروا أساليبه.
حتى بدأت انتفاضة الحجارة أواخر عام 1987، ومنها انطلق إعداد الجيل الذي بدأ المواجهة الفعلية مع العدو؛ من معركة الفرقان عام 2008، إلى حجارة السجيل عام 2012، ثم العصف المأكول عام 2014، ثم سيف القدس عام 2021، وصولًا إلى طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر عام 2023، ليشكّل هذا الطوفان مرحلة جديدة في الصراع مع العدو، وهي مرحلة الإعداد الفعلي والحاسم لكنس هذا السرطان وإزالته من الوجود.
إن ما تشهده المنطقة، ورغم فقد الأرواح العزيزة وحلول الدمار الكبير، يوضح الموقف الحاسم لهذه الشعوب الحرة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني العظيم، بأن للحرية أثمانًا يجب أن تُدفع، وأن للانعتاق من ألد أعداء البشرية أوجاعًا وجراحًا لا بد من تحملها، وأن لحرية الأقصى وقدسيته مهرًا غاليًا يجب أن يُدفع كاملًا مقدمًا.
والأهم من كل ذلك هو الوصول إلى قناعة راسخة مفادها أن مصاديق عدل الله المتحققة في الدنيا تحكم بأن الأقصى والأرض المباركة لن يتحررا إلا على أيدي الشرفاء، لقول الله تعالى: ﴿عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ لأن في العبودية صدق الولاء والطاعة لله وحده، وفي وصف أولي البأس أخذًا بالأسباب وتوكلًا على مسبب الأسباب.
ولذلك نلمس بوضوح حضور الشرفاء وحدهم في ميادين العزة، ومعه نلمح سقوط الأقنعة عن وجوه الخونة، بعد أن شهدنا خذلانهم لغزة ودعمهم المكشوف والمفضوح للكيان المحتل.



