أخبار الملتقى

في العام الهجري الجديد الملتقى العلمائي العالمي: فلسطين ميزان الأمة

29 /ذو الحجة/ 1447هـ، 15/6/2026م

بيان العام الهجري الجديد، عن الملتقى العلمائي العالمي، إلى ضمائر الأمة والعالم

الهجرة النبوية: عهدٌ بنصرة فلسطين وبناء الأمة وصيانة القيم وكرامة الإنسان

إلى المؤمنين بالله، وإلى كلِّ مَن يلتزم بالعدالة والحقِّ والكرامةِ الإنسانية

إلى العلماءِ وأصحابِ المنابر، وإلى المشرّعين والناشطين وأحرارِ الفكر

مع مَطلع العامِ الهجري الجديد، تقفُ أمتُنا أمام اختبارٍ عظيم، وعهد على العمل جديد، يتوقفُ على النجاح فيه مستقبلُها الحضاريُّ واستقلالُها السياسيُّ وأمْنُها الماديُّ والمعنوي، بل وحقيقةُ انتمائها إلى الأمّةِ التي تأسَّستْ أولى أركانِها في المدينة المنورة بالهجرة النبوية المباركة، والتي كانت هجرةً منَ الضَّعف إلى القوة، ومنَ التفرّقِ إلى الوحدة، ومنَ الخِذلان إلى النُّصرة، ومن ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية الإلهية.

في صدارةِ هذا العهدِ تقفُ فلسطين؛ جُرحُ الأمةِ، وميزانُ صِدْقها، ومَوضُعُ امتحانِها أمامَ اللهِ سبحانه وأمام التاريخ، بما يجري فيها من إبادةٍ وتجويعٍ وحصارٍ وتهجيرٍ وانتهاكٍ للمقدَّسات.

إن نصرةَ فلسطين اليوم نصرةٌ للمستضعفين الذين أمرَ اللهُ بالدفاع عنهم، إذ قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75].

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه حُرمتُه ويُنتَقصُ فيه من عِرضِه إلّا خذله اللهُ في موطنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَه).

فأيُّ حرمةٍ تُنتَهك كما تُنتهكُ حُرمة الإنسانِ في فلسطين ؟ وأيُّ خذلانٍ أعظمُ مِن رؤيةِ دماءِ الأطفال والنساء والمستضعفين ثم لا نتحرَّك بما نقدر عليه ؟

إن نصرةَ الشعب الفلسطيني واجبٌ ديني وإنساني وأخلاقيٌّ، يبدأ بالعمل على وقفِ المجازر، وكسْرِ الحصار، ورفْضِ التهجيرِ، ودَعمْ صمود الفلسطيني في أرضه.

وإنَّ حق العودة حقٌّ ثابت لا تسقطه اتفاقات التطبيع، ولا تُلغيه موازين القوة، ولا تقادم الزمن؛ وهو متصلٌ بتحرير الأرض، وصَوْن المقدسات، وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه حرًا عزيزًا.

وأمّا عن التطبيعَ، فإنَّنا نؤكد أن التعاونَ مع الكيان الصهيوني الغاصب، أو تبريرَ جرائمِه، أو مَنْحه الشرعيةَ على أرضٍ محتلة ودماءٍ مسفوكة ومقدساتٍ مُنتهكة، حرامٌ شرعًا، حُرمةً ثابتةً وناجزةً وفق القواعدِ الإسلامية في تحريم إعانة الظالم وتمكين المعتدي، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

وبالتالي تصبح مقاطعةِ الكيان الصهيوني ومَن يُسانده واجباً متمّماً للواجبات الأولى، ومثلها محاكمة مرتكبي الإبادةِ وجرائمِ التجويع والتهجير، وعدم التهاونِ في نُصرة المظلوم ومحاسبة الظالم.

ولنكن على يقين أنَّ ما تتعرّض له فلسطين ولبنان وسورية واليمن والعراق وإيران هو جزءٌ من استهدافٍ واسعٍ لديننا وهويتِنا وسيادتنا وثرواتِنا ووحدتنا، وأنَّ دولاً أخرى ستنال نصيبها من هذا العدوان قريباً. فالمشروع الصهيوني- الأمريكي لا يريد أرضًا محتلة فحَسْب، بل يريد أمةً ممزَّقةً، مستضعفةً، لا تملك قرارَها، وغريبةً عن قِيَمها ورسالتها.

ومن هنا ندعو شعوب الأمة ودولَها وقُواها الحية إلى رصِّ الصفوف، وتوحيدِ الكلمة، وتقديمِ قضايا الأمة الكبرى على الخلافات الجانبية، ومواجهةِ أعداءِ القيم والإنسانية والكرامةِ بوعيٍ وثباتٍ وتكامل، وعدمِ السماح للعدوّ بإثارة الشقاق والتنازع. ولْنَستَجبْ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

لقد وضعت الهجرةُ النبوية المباركة، ووثيقة المدينة، أساسًا ربانيًا للعمران الإنساني، يقومُ على أمنٍ يُصَان، وحقوقٍ تُحفَظ، وعدْلٍ يُقام، وكرامةٍ لا تُنتهك.

وبهذا الميزان يتأكّد سقوطُ النظامِ العالمي الحاكمِ اليومَ في اختبار الأخلاق، فما أكثرَ الحديثَ عن حقوق الإنسان، لكنها تُعطَّل عملياً في فلسطين وعند سائر المستضعفين، وما أشَدَّ ما تُستحضَرُ هذه الشعارات حيث تخدمُ أصحاب القوة والنفوذ، ثمّ تُغيَّب حيث يكون المظلوم من أبناء هذه الأمة والشعوب المقهورة.

إن العدالة في الإسلام ليست شعارًا انتقائيًا، ولا قيمةً تُستدعى عند المصلحة، بل هي فريضةٌ ربانية وميزانٌ ثابت لا يتبدَّل بتبدل المصالح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. وقال سبحانه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ﴾ [النساء: 135].

وإنَّ من أعظم واجبات الأمة أن تحميَ قيَمها في عالمٍ اضطربت فيه الموازين، وضاعتْ فيه الفطرة، وسقطَ الغرب أخلاقيًا حين رفعَ شعارات الحرية والكرامة، ثم سكتَ عن الإبادة، وتواطئ مع الاحتلال، وبرَّر قتلَ الأطفال وتجويع الشعوب.

ومن وحي الهجرة، ندعو إلى حمايةِ الفطرةِ، وصَوْن الأسرة، وترسيخِ العفاف، وتربيةِ الأجيال على الإيمان والكرامة والمسؤولية، ومواجهةِ مشاريعِ التفكيك الأخلاقي والثقافي التي تريد للإنسان أن يفقد هويته وشخصيته. قال الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

وندعو المؤسسات العلمائية والثقافية والإعلامية إلى أقصى اهتمام بالشباب، فهم طاقة الأمّة المتجددة، وإلى إطلاق مبادرات مشتركة تخاطب الشباب بلغتهم، وتجمع بين الإيمان والمعرفة، وبين الرسالة والعمل.

كما ندعو الشباب إلى أن يكونوا امتدادًا لروح الهجرة: علمًا، ووعيًا، وثباتًا، ومبادرةً، وإعلامًا، وخدمةً، ونصرةً للمظلومين.

إن العلماء ورثةُ الأنبياء، ومسؤوليتهم أن يكونوا أمناءَ على وعيِ الأمةِ، حُراسًا لقِيَمها، دعاةً إلى وحدتها، ناطقينَ بالحقّ، قائمينَ بالقسط، لا يخافون في اللهِ لومة لائم.

فالمنبرُ الذي يغيبُ عنه وَجَعُ فلسطين، وهَمُّ المستضعفين، وخَطَرُ الفتنةِ والتطبيعِ والتبعيةِ والانحلال، منبرٌ يبتعدُ عن رسالته النبوية.

وفي زمن الحَيْرة والضياع، تتأكَّد مسؤولية العلماء والدعاة والمؤسسات في تضافر الجهود لإبلاغِ كلمةِ الحقِّ لكل الباحثين عنه في العالم، ودعوةِ الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وفَتْحِ أبواب الهداية أمام الباحثين عن المعنى والعدل والطمأنينة. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: 33].

ومن هنا، يدعو الملتقى العلمائي العالمي العلماء والخطباء والدعاة إلى جعل العام الهجري الجديد موسمًا لتجديد الخطاب، وبناء الوعي، وتفعيل المسؤولية، وربط الناس بقضايا الأمة الكبرى. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ﴾ [الأحزاب: 39].

كما يدعو الملتقى العلمائي العالمي أبناء الأمة وقادة الرأي والعلم فيها إلى تحويل ذكرى الهجرة إلى عهدٍ وبرنامجِ عمل: لنصرة فلسطين والمستضعفين، ورفضِ التطبيع والحصار والتهجير، ورصّ الصفوف في مواجهة أعداء الإنسانية، وصون وحدة الأمة ومشتركاتها، وحماية القيم والأسرة والهوية، وتفعيل الدعوة إلى الله، وإطلاق مبادرات علمائية وتربوية وإعلامية تبني جيلًا مؤمنًا واعيًا يحمل رسالة الأمة ويدافع عن كرامتها.

قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104].

وختامًا: إنَّ عامَ الهجرة الجديد موعدٌ لتجديد العهد مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع فلسطين والمستضعفين، ومع رسالةِ الأمة التي أرادها الله شاهدةً على الناس، قائمةً بالقسط، ناصرةً للحق. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].

ويؤكد الملتقى العلمائي العالمي، في ختام هذا النداء، أنه سيعملُ على تكثيف التواصل بين أعضائه، وتفعيلِ التشاور مع العلماء والدعاة والمؤسسات والشخصيات الحيّة في الأمة، لتعزيز الجهودِ المشتركة التي تحقّق هذه الأهداف، وتحويلِ مضامين هذا البيان من نداءٍ وموقفٍ إلى مشروعٍ عمليٍّ متدرج، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، مستعينًا بالله تعالى، ومتوكلًا عليه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الملتقى العلمائي العالمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى