لَتُفسِدُنَّ في الأَرض
بقلم الدكتور محمد إبراهيم المدهون
على منصة الأمم المتحدة، يقف نتنياهو في وجه وفود العالم ليصفهم بالجبناء، في مشهد صارخ يجسد قوله تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (الإسراء: 4).
إنّه استكبار بلغ ذروته في مخاطبة القوى الكبرى بلغة التحدي والازدراء، لكنه يندرج في فقه السنن الإلهية تحت وعد الإسراء الذي يؤكد أن لكل علُوٍّ وإفساد انحسارًا وانكسارًا، يعقبه بعث عبادٍ أولي بأسٍ شديد.
فما إن يكتمل استكبار الظالمين حتى تبدأ مقدمات السقوط، وكما أهلك الله فرعون بمكره وعدله، فإن هذا الاحتلال إلى زوال، حتمًا ودون ريب، ليعود الحق وكرامة الإنسان إلى ربوع فلسطين والمسجد الأقصى.
ويأتي هذا الاستعلاء الصهيوني متكاملًا مع نزعة عنصرية ونرجسية عميقة تعتقد باستباحة دماء الشعوب وأعراضهم، متكئة على شبكة من التحالفات والدعم الخارجي وقواعد “الحبل من الناس”.
غير أن التاريخ الإنساني والقرآني يثبت أن الطغيان مهما علا شأنه وتجبر، فإنه يحمل في طياته بذور فنائه الذاتي. إن هذا التمادي في الإفساد المنظم وإراقة الدماء لا يمثلان قوة حقيقية، بل هما انعكاس لحالة الهلع والخوف الدفين من حتمية السقوط وزوال الكيان المزعوم أمام إرادة الشعوب الحية ومقاومتها الباسلة.
وفي غزة، تحوّل كل ركن كان يضج بالحياة إلى أطلال ودمار؛ حيث تتناثر جثامين الشهداء في الطرقات دون دفن، وتفتقر المشافي المدمرة لأبسط مقومات العلاج تحت وطأة التجويع والتعطيش والمجازر اليومية.
هذا الإفساد المنهجي الذي يمارسه الاحتلال يعكس طبيعته العدوانية المتجذرة، ويستدعي الوعد الإلهي المحتوم في سورة الإسراء بإنهاء هذا العلو.
إن تجمّع المحتلين في الأرض المقدسة من شتات الأرض، واستمرارهم في طغيانهم، يمهدان للموعد الحق الذي أخبر عنه القرآن الكريم بدخول المسجد الأقصى وتبيّر علوهم تتبيرًا، ليتحقق النصر المبين وتشرق شمس العدالة الإلهية من قلب غزة الأبية.
ولا تقتصر مأساة غزة على دمار الحجر وتجريف الشجر، بل تمتد لتطال تفاصيل الوجود الإنساني برمته، حيث يُحرم الجرحى من الدواء، وتُباد عائلات كاملة لتُشطب من السجلات المدنية. ومع ذلك، تبقى دماء الشهداء وصمود المرابطين الشاهد الحي على بطلان هذا العلو المؤقت. إن وعد الآخرة آتٍ لا محالة لتسوء وجوه الطغاة، ولتُضرب عليهم الذلة والمسكنة، وتعود الأرض المقدسة إلى أصحابها الشرعيين، حاملة بشائر الفرج القريب والنصر العظيم الذي يعد به المولى عز وجل عباده الصابرين المجاهدين.
المصدر: وكالة شهاب



