مقالات

من الوهن إلى التماسك

في الحديث المشهور، أنَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: (يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها. قيل: يا رسولَ اللهِ ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ ؟ قال: لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ).

وإنّ باب التأمل في هذا الحديث لينفتح على مواضيع كثيرة، كلّها يتصل بواقع المسلمين اليوم، لكنّا نقف عند بعضها، وهو كلمة (الوهن)، التي تصحّ لغةً بفتح الهاء وإسكانها، وهي تدلّ على (الضَّعْفُ فِي الْعَمَلِ وَالْأَمْرِ) كما يقول ابن منظور، وقال ابن عاشور: (قَوْلُهُ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أسْبابِ الفَشَلِ. والوَهَنُ: الضَّعْفُ، وأصْلُهُ ضَعْفُ الذّاتِ: كالجِسْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ وهُوَ هُنا مَجازٌ في خَوَرِ العَزِيمَةِ وضِعْفِ الإرادَةِ وانْقِلابِ الرَّجاءِ يَأْسًا، والشَّجاعَةِ جُبْنًا، واليَقِينِ شَكًّا، ولِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ).

والحقيقة أنَّ ضعف العزيمة والإرادة، وفقدان التصور الصحيح والرؤية السليمة التي عبّر عنها ابن عاشور بانقلاب اليقين شكّاً، هي في واقع المسلمين اليوم أشدّ حضوراً وخطراً من الضعف المادي بأشكاله كافة. فإنَّ الأمة المسلمة لم تبلغ في يوم من الأيام ما بلغته اليوم من العدد والعتاد وانتشار التعليم بين أبنائها ووفور المال وتوزّع أبنائها في مفاصل حساسة وخطيرة في كل دول العالم، وتفوقهم في الأكاديميات العلمية والميادين الاقتصادية وغيرها، لكنّها لم تستفد من ذلك كلّه لكي ترتقي بواقعها العامّ ومستواها الحضاري لتجاوز مستوى الوهن الذي يتحدث عنه الأثر النبوي البليغ.

وقد جعل هذا الواقعُ كثيراً من الناس، بمن فيهم بعض أبناء الأمة نفسها، يعزون سبب هذا الوهن إلى الدين نفسه، وليس هذا العزو جديداً، بل هو يتردد ويترسّخ يوماً بعد يوم منذ مئة وخمسين سنة، مؤيَّداً بواقع المسلمين وما فيه من تحارب وتقاتل وسفك للدماء بذرائع دينية، ممّا لا تخفى أمثلته على أحد.

وقد حدّد الحديث أحد أهم أسباب هذا الوهن، وهو كراهية الموت، وهي ليست الكراهية الطبيعية التي يشعر بها كل أبناء آدم تجاه هذا الحدث القاهر، حدث الموت الذي لا مفرّ منه، تلك الكراهية التي أشارت إليها السيدة عائشة رضوان الله عليها في سؤالها للمصطفى الأكرم عليه الصّلاة والسلام: (إنَّا نكرَهُ الموتَ؛ فذاك كراهيتُنا لقاءَ اللهِ ؟).

ولكنَّها الكراهية النابعة من التعلق بالدنيا وإن كانت دنيّة، وتفضيلِ العيش الذليل على الموت العزيز، والتمسّكِ بالبقاء ولو تحت أقدام الأمم، كما وصف القرآن بعضَ الأمم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.

ومن أكثر الأمثلة التي تعبر عن فقدان التصور الصحيح والرؤية السليمة موقف المسلمين اليوم من القضية التي محورها فلسطين، ولا أقول الآن “قضية فلسطين”، لأن المسألة تجاوزت فلسطين من زمان، ولم يعد وجود هذا الكيان مقتصراً على هذه الأرض، ولا تأثيره ولا خطره ولا عدوانه.

ولكنها فرصة كبيرة لنراجع أنفسنا، ونُعيد النظر في واقعنا، لنتجاوز حالة النزاع والتخاصم، ونتعلم من تجاربنا، ما يفيدنا في التحول نحو التماسك والبصيرة والارتقاء، ولا شك في أن ذلك ممكن ومتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى