مقالات

لمن فلسطين ؟!

هل هي لمجرمين، حشدهم الغربُ في أرضنا، وفتح لهم أبوابَ السيطرة عليها، وجعلها أداةً لابتزاز خيرات بلادنا، وممرّاً لنهب ثرواتنا، ووسيلةً لتحقيق مصالحه الدنيئة، مهما سالت دماء أبنائنا، ومهما انتهكت حرمات بناتنا ؟! كلَّا، لا يمكن أن تكون فلسطين لهم، مهما تطاول الزمان، ومهما تكالب الأعداء، ومهما تظاهرت الدعوات بالسلام.

إذن لمن تكون فلسطين ؟

أتكون لأمّةٍ ممزّقةٍ فيما بينها، تتلو في صلاتها آياتِ الوحدة والاعتصام والتعاون: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، ولكنّها لا تعيش من هذه الآية شيئاً في واقعها بل هي عملياً ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.

أم تكون فلسطين لأمّةٍ تبذل جهوداً عظيماً في تعلم مخارج الحروف وأحكام النون الساكنة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ثم تظلّ ساكنةً بلا حراك، لا تمدّ يدَها ليصافح بعضها بعضاً، ولا تكاد تجد فيها رئيساً – رئيسَ علمٍ وفكرٍ بالدرجة الأولى، لا رئيسَ سياسةٍ، فأولئك في مكانٍ بعيدٍ – ينهى عن منكر النزاع والتخاصم والشقاق ؟!

أم تكون فلسطين لأمّةٍ بلغت مليارين من البشر، لكنّها مثل زبد البحر، غثاء لا يُغني من الحق شيئاً، ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.

ملياران في الإحصاءات والعدّ، لكنّهم في الدين فرقٌ ومذاهبُ، يقول بعضهم عن بعضٍ: “هؤلاء أشدّ ضرراً علينا من إسرائيل !”، فيُهدرون الطاقات في الحروب المذهبية، ويُبدّدون الجهود في الصراعات العقائدية، والقضيةُ الأمُّ، قضيةُ القدس والأقصى، تذوبُ في غيابات التفاهات.

لا، ليست فلسطين لهؤلاء ولا لهؤلاء.

فلسطين للأمّة العاملة المجتهدة العادلة. للأمّة التي تعي أنّ وحدتها ليست شعاراً يُرفع في المنابر، بل عقيدةٌ تُترجم إلى مواقف، وتعاونٌ وإخاءٌ يسمو فوق كلّ اعتبارٍ مذهبيٍّ أو حزبيٍّ.

وهنا تبرز المسؤولية العظمى، مسؤولية العلماء الربّانيين، الذين ائتمنهم الله على شرعه. هذه المسؤولية ليست حبراً على ورق، ولا خطباً في المحافل، ولا فتاوى في قضايا فرعية تافهة، بل هي واجبٌ عينيٌّ في هذا الزمن العصيب. لقد آن الأوان أن يدرك العلماء أنهم ليسوا وقوداً في حرب المذاهب التي تمزق الأمة، ولا أدواتٍ في صراعات المصالح التي تخدم الحكام والسلاطين، ولا منابرَ لتكريس الانقسامات، ولا أبواقاً لإشعال الفتن بين طوائف المسلمين.

إن الدماء الزكية تُراق، والحرمات تُنتهك، والمصلّون يُمنعون، والمعالم تُهدم. فهل بعد هذا كله يبقى العلماء في بروجهم العاجية، يتناظرون في مسائل فروعية، ويُضيّعون الأوقات في إعادة تدوير الخلافات القديمة، بينما الأقصى يتهاوى حجراً حجراً، وغزة تتحوّل إلى خرابٍ فوق خراب، والأمة تنظر ولا تتحرّك ؟!

إنّ تقصير العلماء اليوم في بيان الحقائق، وفي التوعية بخطورة الموقف، وفي جمع الكلمة، هو شراكةٌ في الجريمة، وتواطؤٌ مع العدو، وتخلٍّ عن الأمانة.

على العلماء اليوم أن يبذلوا جهدهم كاملاً لرأب الصدع، وحفظ الإسلام من التمزق، وأن يعلنوها صريحةً واضحة: إن التفرق والتنازع أعظم أسباب الهزيمة، وإنّ عدوّنا واحدٌ، وإنّ قضيتنا واحدة، وإنّ قبلتنا واحدة، وإنّ كتابنا واحد. عليهم أن يعملوا على توعية الجماهير بحقيقة الخطر الصهيوني الذي لا يستثني إسلاماً ولا مسيحيةً، ولا يفرّق بين سنيٍّ وشيعيٍّ، بل يريد اقتلاع الوجود العربي والإسلامي من جذوره.

اللهم انصر إخواننا في فلسطين، ووحّد كلمتنا، واهدِ علماءنا ليكونوا نبراسَ هدىً، لا وقودَ فتنةٍ، إنك على كل شيء قدير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى