فلسطين ميزان الأمة: من يستحق عهد الله ؟
لا يعطي القرآن الكريم وعوداً ولا يمنح عهوداً عارية عن القيد، كما لا يدين فئةً أو أمّة إلا بشرط، فإن تحققت الصفات التي يستحق بها الإنسان أو الأمة عهدَ الله سبحانه وتعالى نالت الأمةُ الموعودَ الإلهي باستحقاق وجدارة. وإن تنكّبت الأمّة نفسُها صراطَ الهدى في مرحلة تالية، فلن تبقى مستحقة لعهد الله، بل ينالها ما نال الأممَ قبلها من الجزاء العادل وفق سنن الله، المستقرة التي لا تجد لها تبديلاً في ذاتها، والمطردة بشروطها فلا تجدُ لها تخلّفاً عن محالّها.
وقد أسّس القرآن الكريم هذه القاعدة بقوله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام، الآتي في الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:124). فالعهد مُستحَقٌ للقائمين بالقسط وحدهم، وهذه قضية أساسية غفل عنها بنو إسرائيل وغيرهم يوماً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾(المائدة:18).
وبناء عليه فإنَّ منزلة الوسطية بين الأمم التي جعلها الله لسلف هذه الأمة الصالح: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143)، ومرتبةَ الخيرية التي وصفهم بها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110)؛ كلتاهما مُستَحَقَّتان لمن استوفى الصفات والشروط التي قرّرها القرآن الكريم في سياق الآيات وفي مجمل بيانه المحكم، ولا سبيل لوراثة هذه الصفات وراثة نَسَبيةً، وإنَّ ادَّعى الخَلَف ذلك وأطنبوا في الدعوى.
ولئن كان الواقع المشهود المقطوع به أحدَ الأسباب التي يتمّ بها تخصيص الكلام أو تقييده أو بيانه وتفسيره، فيمكننا أن نقول بناء على ما سبق من مقدمات: إنَّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح:29)، ليس خبراً محضاً غير قابل للنسخ، وإلا لكان الواقع يكذّبه وحاشا لله.
ولكن نفهم هذه الآية على أنها أمرٌ وإنشاء بأسلوب الخبر، فكأنه يقول لمسلمين: إن كنتم مع رسول الله ﷺ حقاً، فكونوا أشداء على الكفار رحماء بينكم. وعلى الوجه الآخر: إن رأيتم أنكم أشداء على بعضكم، وأن الرحمة قد نُزعت من قلوب المسلمين تجاه المسلمين، فعليكم أن تراجعوا حقيقة انتمائكم إلى هذا الرسول الكريم ﷺ، وأن تمحّصوا صدق انتسابكم إلى ما جاء به. ولعلّ نتيجة التمحيص تجعل المسلمين اليوم أجدر بأن ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر:14)
يا أمتي يا أحبّ الأمم إليّ: فيم التناحر والتقاتل، ولم يفتح أبناؤك كلَّ يوم جبهات حرب وقتال جديدة فيما بينهم ؟ لماذا أصبح اليمن السعيد بائساً إلى هذه الدرجة ؟ والشام المباركة دولاً وأحزاباً يكفّر بعضها بعضاً ؟ والمسجد الأقصى بعيداً عن الراغبين في الصلاة فيه ويكاد ينقلب إلى كنيس لليهود ؟ لماذا تفرّقنا شيَعاً يُذيق بعضُنا إخوانَه من البأس ما لا يفعله مع المحتل الأثيم ؟
هل غابت المعايير وضاعت البوصلة ؟ هل غفلنا عن أن فلسطين ميزان ؟ وأنّ من كان معها فهو مع الحقّ ومَن جانَبَها فهو على الباطل ؟ وهل نسينا وصيةَ المصطفى الأكرم إلينا في حجة الوداع: (وَيْحَكُمُ انْظُرُوا ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) أخرجه البخاري.
فمن ضيّع فلسطين أو كفّر إخوانه فقد أضاع الأمانة وضيّع الميزان، ومن تخلّى عن شرط العهد فما ينفعه الانتساب، والله لا يخلف الميعاد.



